نظرية الحكم في الإسلام - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٢١١ - ١٩ الشيخ الأنصاري
والصّحابة في إلزام الناس بإرجاع الأُمور المذكورة إليه، والانتهاء فيها إلى نظره، بل المتبادر عرفاً من نصب السلطان حاكماً وجوب الرجوع في الأُمور العامّة المطلوبة للسلطان إليه، وإلى ما تقدّم من قوله (ع): مجاري الأُمور بيد العلماء بالله، الأُمناء على حلاله وحرامه-: التوقيع المرويّ في «إكمال الدين» و «كتاب الغيبة» واحتجاج الطبرسي الوارد في جواب مسائل إسحاق بن يعقوب التي ذكر: أنّي سألت العمريّ أن يوصل لي إلى الصاحب عجل الله فرجه كتاباً فيه تلك المسائل التي أشكلت عليّ، فورد الجواب بخطه عَلَيهِ آلَافُ الصَّلاةِ وَالسَّلَام في أجوبتها: وفيها: «أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجة الله». فإنّ المراد بالحوادث ظاهراً: مطلق الأُمور التي لابدّ من الرجوع فيها- عرفاً أو عقلًا أو شرعاً- إلى الرئيس، مثل النظر في أموال القاصرين بغيبة، أو موت، أو صغر، أو سفه.
أمّا تخصيصها بخصوص المسائل الشرعية فبعيد من وجوه: منها: أنّ الظاهر: وكول نفس الحادثة إليه؛ ليباشر أمرها مباشرة أو استنابة، لا الرجوع في حكمها إليه. ومنها: التعليل بكونهم: «حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله»، فإنّه إنّما يناسب الأُمور التي يكون المرجع هو الرأي والنظر، فكان هذا منصب ولاة الإمام من قبل نفسه، لا أنّه واجب من قبل الله سُبحَانَهُ على الفقيه بعد غيبة الإمام (ع)، وإلّا كان المناسب أن يقول: «إنّهم حجج الله عليكم»، كما وصفهم في مقام آخر بأنّهم: «أمناء الله على الحلال والحرام». ومنها: أنّ وجوب الرجوع في المسائل الشرعية إلى العلماء- الذي هو من بديهيات الإسلام- من السلف إلى الخلف، ممّا لم يكن يخفى على مثل إسحاق بن يعقوب، حتّى يكتبه في عداد