نظرية الحكم في الإسلام - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٢٥٧ - الآية الأولى
بمثل الرَّبَّانِيُّونَ؛ فيتعيّن: أن تكون «ما» في قوله: بِمَا اسْتُحْفِظُوا للمصدريّة، وعندئذٍ يتعيّن أن تكون «الباء» أيضاً بمعنى السببية، فيكون المعنى: أنّ النبيّين والربّانييّن والأحبار يحكمون بالتوارة بسبب أنّهم استحفظوا كتاب الله، وكانوا عليه شهداء.
٣. وإذا كانت العلّة في أنّ النبيّين والربّانييّن والأحبار يحكمون بالتوراة كونهم علماء بالكتاب، شاهدين عليه- ومن المعلوم أنّ عموم العلّة يستوجب عموم الحكم-؛ فتكون الآية دالّة بمقتضى عموم العلّة على أنّ «كلّ عالم بالكتاب شاهد عليه: يكون هو الحاكم بالكتاب». فالكتاب الإلهي- ومنه القرآن العظيم، كتاب الله الأعظم- إنّما يحكم به العلماء به، الشاهدون عليه.
٤. و «الشهادة» في القرآن الكريم في هذه الآية، وفي كثير من الآيات: يُراد بها معناها الظاهر؛ وهو المعنى اللغوي، لا معناها الاصطلاحي الفقهي (وهو: الذي يُقتل في سبيل الله)، ومعناها اللغوي: الدليل والحجّة. والقرائن الكثيرة تدلّ على أنّ المقصود «الشهادة» في القرآن الكريم: الشهادة التامّة، أي الشهادة على الحقّ باللسان والوصف والفعل، وليس باللسان فحسب[١]، كما هو الحال في الشهادة المتعارفة في القضاء إذ يكون الشاهد شاهدا على الحقّ بلسانه فحسب. ومن القرائن على ذلك: التعدية «على» فإنّ الشهادة باللسان تتعدىّ إلى متعلّقها
[١] تأمّل- على سبيل المثال- في قوله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ، آل عمران: ١٤٠، وكذا البقرة: ١٤٣، والحج: ٧٨، وغيرها.