نظرية الحكم في الإسلام - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٢٣ - الإرادة الغالبة ومصدر الشرعية
الغالب: «إرادة فردية قوية» أو «إرادة أقلّية متميّزة مهيمنة على إرادات متراكمة»، والإرادة الإنسانية- مطلقاً- (سواءً كانت إرادة فردية أو اجتماعية، وسواءً كان تراكمها وانسجامها بطريقة عادلة أو غير عادلة) يمكن بشأنها الخطأ والصواب، ولا يصحّ أن توصف بالصحّة والشرعية ما لم تطابق معايير للصحّة والصواب سابقة على وجودها كإرادة إنسانية.
ومن أوضح ما يدلّ على عدم العصمة في الإرادة الاجتماعية، وتعرّضها الكثير للخطأ والانحراف عن العدل والحقّ (والذي يدلّ بالتالي على أنّها لا تصلح لكي تكون بذاتها مصدراً لشرعية السلطة، وأنّها بحاجة إلى مصدر سابق للشرعية): ما شهده واقع المجتمع البشري في الماضي والحاضر من سيطرة الطواغيت والعناصر الشرّيرة على السلطة في كثير من المجتمعات، وفي مقاطع زمنية طويلة الأمد- حتّى المجتمعات الحديثة التي تزعم لنفسها «حرّية الرأي» و «الديمقراطية الجماهيرية»-، مستخدمة قدرتها على توجيه الإرادة الاجتماعية، وتعبئة آراء الجماهير بشتى أساليب الإغراء والتخويف أو التمويه والتغرير.
ومهما يكن من أمر فقد اتّضح من عرضنا هذا أنّ «الإرادة الاجتماعية» تصلح لكي تكون مصدر «القوّة» للسلطة السياسية، بها توجد السلطة السياسية وبها تدوم، ولا تصلح لكي تكون مصدراً «شرعية» السلطة، بل لابدّ للسلطة من مصدر للشرعية سابق على إرادة الجماهير، منها تستمدّ الإرادة الاجتماعية الغالبة شرعيتها وحقّانيتها، وعلى أساسها يمكن تحديد مدى عدالة السلطة، وانطباقها مع «الحقّ» و «العدل»، وسوف يوافينا مزيد من التوضيح لهذه النقطة في البحث القادم.