نظرية الحكم في الإسلام - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٣١٠ - الشرط الخامس الفقاهة
منها: حكم العقل بمعنى: الوجدان العقلي، فإنّه يحكم- بوضوح- بأولويّة العالم من غيره بالإدراة والقيادة، ويشهد له حكم العقل باستحقاق الذمّ على من اتّبع جاهلًا فضلّ الطريق مع وجود العالم الذي كان يمكن أن يستهدي به في الطريق، وأشدّ الأُمور أولوية بالرعاية هو مصير الناس ومصالحهم العامّة، وما يرجع فيه إلى الحاكم، فإنّ الضلال فيها يعني هلاك المجتمع، أو إصابته بخسائر جسيمة لا تعوّض، فكيف يرضى العقل العملي بتعريض المجتمع لخطر الإبادة، أو الخسائر الجسيمة، مع إمكان تفادي ذلك كلّه بتسليم الأمر للعالم بما فيه خير الناس وسعادتهم، الخبير بما يصلحهم وما يفسدهم، الفقيه بما يعتقدونه من الدين الذي فيه صلاح معاشهم ومعادهم؟!
ومنها: قوله تعالى: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ[١]، وليس من شك أنّ غير المجتهد مصداق لمن لا يهتدي إلّا أن يُهدى؛ لحاجته- في الاهتداء إلى الدّين وما يحكم به الله- إلى العالم بخلاف العالم الفقيه، فإنّه الذي يهدي إلى الحقّ لعلمه بالحقّ، وبما يحتاج الناس إليه في حياتهم من أحكام الدين وسنن الله في كتابه الذي أنزله هدى للناس وبيّنها رسول الله (ص).
وفي الآية استنكار شديد لفعل من يترك اتّباع العالم الفقيه ويتّبع غيره من الجهلة بأُمور الدين الضالّين عن الهدى الذي جاء به الرسول الأمين، فتكون واضحة الدلالة على حرمة تسليم أمر الولاية للجاهل بالدين غير الفقيه بأحكام الله وسننه التي أنزلها للناس وأمرهم بتطبيقها والعمل بها، وتدلّ بالالتزام على حرمة تصدّي الجاهل بالدين لأمر الولاية مع وجود
[١] سورة يونس: ٣٥.