نظرية الحكم في الإسلام - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٢٥٦ - الآية الأولى
الثلاث هم الحاكمين بالتوارة هو بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ، و «ما» في قوله: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مصدريّة، فيكون المعنى: «إنّهم يحكمون بالتوراة بسبب استحفاظهم لكتاب الله، وكونهم عليه شهداء». و «الباء» هنا تفيد معنى العلّية- كما هو ظاهر-؛ لأنّه هو المعنى المناسب للدخول على المصدر (أي: الاستحفاظ)، وليس من الصحيح ما زعمه بعض المفسّرين من كون «ما» هنا موصولة ليكون المعنى: «والأحبار يحكمون بالذي استحفظوه من كتاب الله»، فإنه سوف يكون تكراراً غير مفيد لقوله يَحْكُمُ بِهَا، بل تكراراً مخلّاً؛ لأنّه يفقد كلمة «الاستحفاظ» شأنها في العبارة، وتكون كالحشو الزائد، وهو لا يناسب فصاحة الكلام الإلهي وبلاغته، ومن أجل ذلك اضطُرّ بعض المفسّرين أن يجعل كلمة الأحبار متعلّقاً لقوله تعالى: بِمَا اسْتُحْفِظُوا، قائلًا: «الباء» في قوله: بِمَا اسْتُحْفِظُوا يتعلّق بالأحبار، فكأنّه قال: «العلماء بما استحفظوا»[١].
ولكنّه لا يرفع الإشكال المذكور، مع أنّ الخطأ فيه- في ذيل تفسير الآية- واضح؛ لأنّ كلمة «الحبر» لا يتعدّى بالباء كما هو الحال في كلمة «العالِم»، وليست الكلمتان بشأن واحد من هذه الجهة؛ وإن كانتا بمعنى واحد، مع أنّ الظاهر: رجوع الضمير في اسْتُحْفِظُوا إلى جميع الطوائف الثلاثة السابقة الذكر، أو إلى الطائفتين الأخيرتين؛ وهم: الربانيّون، والأحبار في أدنى الاحتمالين. واختصاصه بالأحبار خلاف الظّاهر، ولا قرينة عليه، ولا معنى لتعلّق الجارّ والمجرور الموصول
[١] مجمع البيان ٣٠٥: ٣.