اعلام الامامیة - فوزي آل سيف - الصفحة ٢٨ - الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه
دوره في تصحيح التراث الشيعي:
يعد الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين، المؤسس الثاني للموسوعات الحديثية المصنفة (ومن ذلك عد كتابه فقيه من لا يحضره الفقيه من الكتب الأربعة التي عليها مدار الاستنباط الفقهي لدى الشيعة).
بعد أن بدأ ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني في مشروعه الرائد (الكافي)[١]، وقام باستخلاص ذلك الكتاب من مجموعة هائلة من الروايات التي تشتمل على الصحيح والضعيف، جاء الشيخ الصدوق ليتمم ما بدأه الكليني عبر عدة أمور:
تصفية المصادر من الرواة الضعاف والغلاة والمجهولين، وقد أتم هذا الأمر بقدر وسعه فكان خطوة مهمة في هذا الصعيد.
فإن من أهم المنابع التي كانت رائجة في تلك الفترة كتاب (نوادر الحكمة) لمحمد بن أحمد بن يحيى، فإن هذا الشيخ وإن كان ثقة وجليل القدر إلا أنه كان لا يبالي في الرواية عن الضعاف وينقل المراسيل في كتابه ذاك. مما أدى ببعض نقاد الحديث مثل أستاذ الشيخ الصدوق محمد بن الحسن بن الوليد أن يستثني عددا من رجال هذا الكتاب مخبرا بأنهم لا يعتمد عليهم في الرواية [٢].
ومن الملاحظ هنا شدة تأثر الشيخ الصدوق بمسلك أستاذه الشيخ محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (ت ٣٤٣هـ)، والذي وصف في كتب الرجاليين بأنه شيخ القميين ومتقدمهم ووجههم وأنه ثقة ثقة عين مسكون إليه [٣] وأنه عارف بالرجال.
ومن شواهد ذلك أنه كان «يروي عنه كثيرا في كتبه و قد ذكره في المشيخة، ما يقرب من مائة و أربعين موردا و كان يعتمد عليه و يتبعه فيما يذهب إليه.
فقد ذكر في الفقيه: الجزء ٢، باب صوم التطوع و ثوابه، ذيل حديث ٢٤١، و أما خبر صلاة يوم غدير خم و الثواب المذكور فيه لمن صامه، فإن شيخنا محمد بن الحسنH كان لا يصححه و يقول إنه من طريق محمد بن موسى الهمداني و كان غير ثقة و كل ما لم يصححه ذلك الشيخ (قدس الله روحه) و لم يحكم بصحته من الأخبار، فهو عندنا متروك غير صحيح.
و تقدم في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى، أن الصدوق قدس سره تبع شيخه محمد بن الحسن بن الوليد، في استثنائه من روايات محمد بن أحمد بن يحيى ما يرويه عن جماعة تقدم ذكرهم»[٤].
مقاومة ما رآه الصدوق توجها نحو الغلو: إن المشكلة هي أن قسما من الناس يعتمدون في عقائدهم على أخبار ربما رواها بعض الرواة الضعاف. وحيث أن هؤلاء يظنون أن التزيد والارتفاع في حق الأنبياء والأوصياء يعيد إليهم بعض حقهم المسلوب في الواقع ويقاوم خط التقصير، فربما زاد التوجه إليهم عند هؤلاء الرواة وتجاوزوا الحد في الإحترام والاعتقاد.
[١] راجع الحديث عن شخصيته في الصفحات السابقة.
[٢] وقد فصل شيخ الطائفة الطوسي في كتابه: الفهرست ص ٢٢٢ ما قبله الصدوق وما رده من كتاب نوادر الحكمة بقوله: (. ما كان فيها من غلو أو تخليط، وهو الذي يكون طريقه محمد بن موسى الهمداني، أو يرويه عن رجل، أو عن بعض أصحابنا، أو يقول: وروى، أو يرويه عن محمد بن يحيى المعاذي، أو عن أبي عبد الله الرازي الجاموراني، أو عن السياري، أو يرويه عن يوسف ابن السخت، أو عن وهب بن منبه، أو عن أبي علي النيشابوري، أو أبي يحيى الواسطي، أو محمد بن علي الصيرفي، أو يقول: وجدت في كتاب ولم أروه، أو عن محمد بن عيسى بن عبيد باسناد منقطع ينفرد به، أو عن الهيثم بن عدي، أو عن سهل بن زياد الآدمي، أو عن أحمد بن هلال، أو عن محمد بن علي الهمداني، أو عن عبد الله بن محمد الشامي، أو عن عبد الله بن أحمد الرازي، أو عن أحمد بن الحسين بن سعيد، أو عن أحمد ابن بشير الرقي، أو عن محمد بن هارون، أو عن معاوية بن معروف، أو عن محمد بن عبد الله بن مهران، أو ينفرد به الحسن بن الحسين بن سعيد اللؤلؤي، أو جعفر بن محمد الكوفي، أو جعفر بن محمد بن مالك، أو يوسف بن الحارث، أو عبد الله بن محمد الدمشقي.
***[٢٩]###[٣] رجال النجاشي تحت رقم ١٠٤٢
[٤] الخوئي، السيد أبو القاسم: معجم رجال الحديث ١٥/٢٠٧