اعلام الامامیة - فوزي آل سيف - الصفحة ١٧٣ - الشهيد الثاني زين الدين بن علي الجبعي
للوظيفة وإنما ليتباحث مع العلماء ويسمع منهم. فألزمه القاضي بذلك واختار المدرسة النورية الكبرى في بعلبك بشمال لبنان [١].
وعند عودته من تركيا مر على بعلبك وبدأ يدرس في مدرستها تلك الفقه عارضا آراء المذاهب الخمسة، فعلت في نفوس الطلاب مكانته وعرفوا منزلته وقدره، وساعده بالإضافة إلى سعة علمه سعة أفقه وشرح صدره حيث لم يكن متعصبا ضد أحد، وانتشر الطلاب يحدثون بفضله[٢]. وكان على قدرِ من الإنصاف للخصوم إلى درجة أن بعض المتعصبين من الشيعة اتهموه بالتسنن!
عقرب الحسد يتحرك في ساعة الشهادة:
إذا كان أصحاب النعم الدنيوية محسودين، فإن أصحاب النعم المعنوية والدرجات العلمية محسودون أكثر.إلا أن العجيب في هذه المعادلة أن حسدة أصحاب الدنيا عادة لا يملكون ما يملك المحسود من المال والثروة، إلا أن حسدة العلماء كثيرا ما كانوا من العلماء أنفسهم! ولا ينبغي أن يستغرب هذا، ويقال أنه كيف يحسد العالمُ العالمَ والفقيهُ الفقيهَ؟ مع أنهم يعرفون عقوبة الحسد وأضراره؟
ولا ريب أن هذا تبسيط ساذج في معرفة الانسان، فالقضية في النفس والمجتمع لا ترتبط بمعرفة أن هذا حسن أو قبيح. وإنما في قدرة الانسان بعد المعرفة على
[١] كما أعطي والد الشيخ البهائي الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي الذي كان مصاحبا للشهيد وصديقا له منصب التدريس في مدرسة في بغداد.
[٢] تحدث الشهيد وتلميذه بن العودي عن تلك الفترة واصفين لها بأفضل الأوصاف، فقال كما نقل عنه صاحب أعيان الشيعة ج ٧ ص ١٥٣: أقمنا ببعلبك ودرسنا فيها مدة في المذاهب الخمسة وكثير من الفنون وصاحبنا أهلها على اختلاف آرائهم أحسن صحبة وعاشرناهم أحسن عشرة وكانت أياما ميمونة وأوقاتا بهجة ما رأى أصحابنا في الاعصار مثلها. قال ابن العودي كنت في خدمته تلك الأيام ولا أنسى وهو في أعلى مقام ومرجع الأنام وملاذ الخاص والعام ومفتي كل فرقة بما يوافق مذهبها ويدرس في المذاهب كتبها وكان له في المسجد الأعظم بها درس مضافا إلى ما ذكر وصار أهل البلد كلهم في انقياده ومن وراء مراده بقلوب مخلصة في الوداد وحسن الإقبال والاعتقاد وقام سوق العلم بها على طبق المراد ورجعت إليه الفضلاء من أقاصي البلاد.