إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٢ - و الطهارة لها أربع مراتب
الوسوسة و تخيل العقل أن الطهارة المطلوبة الشريفة هي هذه فقط،و جهالة بسيرة الأولين و استغراقهم جميع الهم و الفكر في تطهير القلب،و تساهلهم في أمر الظاهر،حتى أن عمر رضى اللّٰه عنه مع علوّ منصبه توضأ من ماء في جرة نصرانية،و حتى أنهم ما كانوا يغسلون اليد من الدسومات و الأطعمة،بل كانوا يمسحون أصابعهم بأخمص أقدامهم ،و عدوا الأشنان من البدع المحدثة،و لقد كانوا يصلون على الأرض في المساجد و يمشون حفاة في الطرقات، و من كان لا يجعل بينه و بين الأرض حاجزا في مضجعه كان من أكابرهم،و كانوا يقتصرون على الحجارة في الاستنجاء،و قال أبو هريرة و غيره من أهل الصفة[١]«كنّا نأكل الشّواء فتقام الصّلاة فندخل أصابعنا في الحصى ثمّ نفركها بالتّراب و نكبّر »و قال عمر رضى اللّٰه عنه [٢]«ما كنّا نعرف الأشنان في عصر رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم»و انما كانت مناديلنا بطون أرجلنا كنا إذا أكلنا الغمر مسحنا بها،و يقال أول ما ظهر من البدع بعد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم أربع:المناخل،و الأشنان،و الموائد،و الشبع ،فكانت عنايتهم كلها بنظافة الباطن حتى قال بعضهم:الصلاة في النعلين أفضل ،لأن
رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم[٣]«لمّا نزع نعليه في صلاته بإخبار جبرائيل عليه السلام له أنّ بهما نجاسة»و خلع الناس نعالهم،قال صلّى اللّٰه عليه و سلم«لم خلعتم نعالكم؟» و قال النخعي في الذين يخلعون نعالهم:وددت لو أن محتاجا جاء إليها فأخذها،منكرا لخلع النعال ،فكذا كان تساهلهم في هذه الأمور ،بل كانوا يمشون في طين الشوارع حفاة،و يجلسون عليها،و يصلون في المساجد على الأرض،و يأكلون من دقيق البر و الشعير،و هو يداس بالدواب و تبول عليه و لا يحترزون من عرق الإبل و الخيل مع كثرة تمرغها في النجاسات،و لم ينقل قط عن أحد منهم سؤال في دقائق النجاسات،فهكذا كان تساهلهم فيها،و قد انتهت النوبة الآن إلى طائفة يسمون الرعونة نظافة،فيقولون هي مبنى