إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٤ - و الطهارة لها أربع مراتب
قربة بالنية،و لكن لا يتيسر ذلك إلا للبطالين الذين لو لم يشتغلوا بصرف الأوقات فيه لاشتغلوا بنوم أو حديث فيما لا يعنى،فيصير شغلهم به أولى،لأن الاشتغال بالطهارات يجدد ذكر اللّٰه تعالى و ذكر العبادات ،فلا بأس به إذا لم يخرج إلى منكر أو إسراف و أما أهل العلم و العمل فلا ينبغي أن يصرفوا من أوقاتهم إليه إلا قدر الحاجة،فالزيادة عليه منكر في حقهم،و تضييع العمر الذي هو أنفس الجواهر و أعزها في حق من قدر على الانتفاع به.و لا يتعجب من ذلك فان حسنات الأبرار سيئات المقربين.و لا ينبغي للبطال أن يترك النظافة و ينكر على المتصوفة و يزعم أنه يتشبه بالصحابة،إذ التشبه بهم في أن لا يتفرغ إلا لما هو أهم منه،كما قيل لداود الطائي:لم لا تسرح لحيتك؟قال:إنى إذا لفارغ.فلهذا لا أرى للعالم و لا للمتعلم و لا للعامل أن يضيع وقته في غسل الثياب احترازا من أن يلبس الثياب المقصورة،و توهما بالقصار تقصيرا في الغسل،فقد كانوا في العصر الأول يصلون في الفراء المدبوغة ،و لم يعلم مهم من فرق بين المقصورة و المدبوغة في الطهارة و النجاسة،بل كانوا يجتنبون النجاسة إذا شاهدوها،و لا يدققون نظرهم في استنباط الاحتمالات الدقيقة،بل كانوا يتأملون في دقائق الرياء و الظلم،حتى قال سفيان الثوري لرفيق له كان يمشى معه فنظر إلى باب دار مرفوع معمور:لا تفعل ذلك فان الناس لو لم ينظروا إليه لكان صاحبه لا يتعاطى هذا الإسراف.فالناظر إليه معين له على الإسراف،فكانوا يعدون جمام الذهن لاستنباط مثل هذه الدقائق لا في احتمالات النجاسة،فلو وجد العالم عاميا يتعاطى له غسل الثياب محتاطا فهو أفضل،فإنه بالإضافة إلى التساهل خير،و ذلك العامي ينتفع بتعاطيه،إذ يشغل نفسه الأمارة بالسوء بعمل المباح في نفسه،فيمتنع عليه المعاصي في تلك الحال.و النفس إن لم تشغل بشيء شغلت صاحبها و إذا قصد به التقرب إلى العالم صار ذلك عنده من أفضل القربات،فوقت العالم أشرف من أن يصرفه إلى مثله فيبقى محفوظا عليه،و أشرف وقت العامي أن يشتغل بمثله،فيتوفر الخير عليه من الجوانب كلها و ليتفطن بهذا المثل لنظائره من الأعمال،و ترتيب فضائلها،و وجه