إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٢ - بيان الدواء النافع في حضور القلب
و يفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة عما يهمه،فلا يترك لنفسه شغلا يلتفت إليه خاطره
قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم لعثمان بن أبي شيبة :[١] «إنّى نسيت أن أقول لك أن تخمر القدر الّذي في البيت فإنّه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل النّاس عن صلاتهم» فهذا طريق تسكين الأفكار فإن كان لا يسكن هائج أفكاره بهذا الدواء المسكن فلا ينجيه إلا المسهل الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق،و هو أن ينظر في الأمور الصارفة الشاغلة له عن إحضار القلب،و لا شك أنها تعود إلى مهماته،و أنها إنما صارت مهمات لشهواته،فيعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات و قطع تلك العلائق، فكل ما يشغله عن صلاته فهو ضد دينه،و جند إبليس عدوه ،فإمساكه أضر عليه من إخراجه،فيتخلص منه بإخراجه،كما
روى أنه صلّى اللّٰه عليه و سلم لما لبس[٢]الخميصة التي أتاه بها أبو جهم و عليها علم و صلّى بها نزعها بعد صلاته و قال صلّى اللّٰه عليه و سلم:«اذهبوا بها إلى أبي جهم فإنّها ألهتنى آنفا عن صلاتي و ائتوني بأنبجانيّة أبي جهم»
و أمر رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم بتجديد شراك نعله ثم نظر إليه في صلاته إذ كان جديدا فأمر أن[٣]ينزع منها و يرد الشراك الخلق.
و كان صلّى اللّٰه عليه و سلم:[٤] قد احتذى نعلا فأعجبه حسنها فسجد و قال:«تواضعت لربّى عزّ و جلّ كى لا يمقتني»ثم خرج فدفعها إلى أول سائل لقيه،ثم أمر عليا رضى اللّٰه عنه أن يشترى له نعلين سبتيتين جرداوين فلبسهما.
و كان صلّى اللّٰه عليه و سلم في يده خاتم من ذهب قبل التحريم و كان على المنبر فرماه[٥]و قال:«شغلني هذا نظرة إليه و نظرة إليكم »