انوار الفقاهة(كتاب الحدود و التعزيرات) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٢ - آداب اقامة الحدّ
الحرم جناية اقيم عليه الحد في الحرم فانه لم ير للحرم حرمة. [١]
اقول: الاستدلال بالآية ظاهر الجواهر و كشف اللثام و الرياض و غيرها، و لكن قد يقال ان المراد الأمن من التعدى عليه، و اجراء الحد ليس ظلما و لا تعديا عليه.
و فيه اشكال واضح فان الأمن من التعدى لا يختص بالحرم بل يجرى في جميع الامكنة، فالمراد منه ما يشمل المقام توضيح ذلك:
وقع الكلام في مرجع الضمير في هذه الآية «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ- فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ- وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً» فهل هو بكة [٢] او نفس البيت المذكور في اول الآية أو مقام ابراهيم؟ و الاقرب هو الاخير، فلا ذكر فيها من الحرم كله اللّهم الا ان يقال ان المراد من مقام ابراهيم هنا ليس الموضع المعروف بل المراد هو جميع الحرم كما حكى عن ابن عباس، و الامر واضح بعد اجماعهم على عدم اختصاص حكم الأمن بالمحل المعروف.
ثم ان الأمن هل هو الأمن يوم القيامة كما قيل؟
لا شك في ضعفه و مخالفته لظاهر الآية بل المراد هو الأمن في الدنيا (او هما معا) و على هذا الوجه فهل هو اخبار عن امر خارجى و هو كون الحرم مأمونا بحسب طبعه عن وقوع الحوادث الخطيرة فيها؟ الظاهر عدمه لما ورد في التواريخ من وقوع تلك الحوادث فيها كرارا، او المراد كونه كذلك تشريعا؟ و هو الحق فجعل فيه الأمن، و الكلام و ان كان بصورة الاخبار و لكنه في معنى الإنشاء فيجب على جميع الناس رعاية الأمن فيها، لا بالنسبة الى آحاد النّاس بل بالنسبة الى الوحش و الطير و غيرها، فكلهم آمنون بحسب التشريع الالهى، حتى ان العرب كانت في الجاهلية تراه آمنا يجتنب عن ما يخالف الأمن حتى اذا رأى قاتل ابيه في الحرم لم يتعرض له.
و الحاصل ان دلالة الآية ظاهرة على لزوم ترك التعرض للناس في الحرم و لو بحق
[١]- الوسائل، المجلد ١٨، الباب ٣٤ من ابواب مقدمات الحدود، الحديث ١.
[٢]- قيل هو البيت او محله من الأرض أو مع المطاف لازدحام النّاس عليه، و قيل هو مكة كلها، و الأول أشهر.