انوار الفقاهة(كتاب الحدود و التعزيرات) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٧ - و الكلام في مقامين
و إنّما الكلام في أنّ باب القضاء- و ما هو طريق فصل الخصومة- من أيّهما؟
فهل المدار فيه على ثبوت الواقع بالعلم أو الطريق الظّنى المعتبر القائم مقام العلم الطريقىّ؟
أو لا يكفى ثبوت الواقع فيه للقاضى إلّا من طريق خاصّ، فالواجب تحصيل العلم أو الظنّ المعتبر الحاصل من طرق خاصّة (كالبيّنات و الأيمان).
و بعبارة اخرى هل الواجب على القاضى فصل الخصومة و إحقاق الحقوق بما ثبت عنده و تحقّق له من أىّ طريق كان، و إيصال الحقّ إلى صاحبه مهما كان؟ أو اللازم عليه كون الإحقاق من طرق خاصّة عيّنها الشارع؟ فليس العلم أو الظّن هنا علما أو ظنّا طريقيا محضا بل هما مأخوذان في موضوع حكمه.
و قد ذكر في محلّه أنّه لا مانع من اخذهما في الموضوع بصفة الطريقيّة.
الذى يظهر بعد التدقيق في أدلّة القضاء و آدابها، انّ الشارع المقدّس جعل له طرقا خاصّة، و من هنا يظهر أنّ استدلال صاحب الجواهر- قدس سره- و غيره في إثبات حجية علم القاضى- بما ورد في الكتاب من قوله تعالى: «وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ» [١] و قوله تعالى: «وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ». [٢] و قوله تعالى: «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ» [٣] و من حكم بعلمه فقد حكم بالحقّ و العدل [٤]- قابل للنقد و الإشكال.
و حاصل كلامه أنّ الحكم معلّق على عناوين واقعيّة من «الحقّ» و «القسط» و «العدل» و العلم طريق إليها فيجوز الحكم على وفقه و لكنّه أوّل الكلام لإمكان اعتبار ثبوتها من طرق خاصة كالبيّنة و الأيمان.
و كذا الاستدلال بالأولوية و أنّ العلم أقوى من البيّنة المعلوم إرادة الكشف منها
[١]- المائدة: ٤٢.
[٢]- النساء: ٥٨.
[٣]- ص: ٢٦.
[٤]- جواهر الكلام، المجلد ٤٠، الصفحة ٨٦.