مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٢٨٥ - الثانية إذا التمس وضع جذوعه على حائط جاره
أمّا لو انهدم، لم يعد الطرح إلّا بإذن مستأنف. و فيه قول آخر. (١)
أنّ الإذن إنّما أفادت العارية، و لازمها الرجوع متى أراد، مع أصالة براءة ذمّة المالك من ثبوت مال لغيره على تخليص ملكه منه، بل أصالة البراءة مطلقا. و أنّه بناء محترم صدر بالإذن فلا يجوز قلعه إلّا بعد ضمان نقصه [١]. و لأنّ فيه جمعا بين الحقّين. و لأنّه سبب الإتلاف لإذنه، و المباشر ضعيف، لأنّه بالأمر الشرعيّ. و هو أقوى.
الثالث: على تقدير ثبوت الأرش فهل هو عوض ما نقصت آلات الواضع بالهدم، أو تفاوت ما بين العامر و الخراب؟ وجهان مبناهما على أنّ البناء إذا كان محترما فهو بهيئته حقّ لبانيه، فيكون جبره بتفاوت ما بين كونه عامرا و خرابا، لأنّ ذلك هو نقص الماليّة، و من أنّ نقص هذه الماليّة مستند إلى ملك صاحب الجدار فلا يضمنه، إنّما يضمن نقصان مال الغير الذي كان سبب إتلافه و فواته. و الأوّل أقوى، لأنّ جميعه مال للواضع، غايته كونه موضوعا على ملك الغير، و ذلك إنّما أثّر جواز النقض لا المشاركة في الماليّة. و لو اتّفقا على إبقائه بالأجرة فلا إشكال في جوازه.
قوله: «أمّا لو انهدم- إلى قوله- و فيه قول آخر».
(١) القول الآخر للشيخ في المبسوط [٢]، و هو أنّه إن أعاده بآلته الأولى لم يكن له منعه من ردّ الخشب و السقف عليه، و إن أعاده بغيرها كان له منعه. و الأقوى الأوّل، لأنّ المأذون فيه و هو الوضع قد حصل، فلا يجوز وضع آخر بدون الإذن. و لأنّها عارية فيجوز الرجوع فيها و إن استلزم الضرر كما مرّ، فهنا أولى، غايته أنّه مع الضرر جبر بالأرش، و هنا لا ضرر فلا أرش.
و كثير من الأصحاب لم يذكروا هنا خلافا، و يمكن أن يكون سببه أنّ الشيخ كان ذكر أوّلا في الكتاب [٣] أنّه لو انهدم الحائط أو هدمه المستعير لم يكن له الإعادة إلّا بإذن مستأنف، و لم يتردّد في ذلك، فأطرحوا قوله الآخر، و هو قول لبعض الشافعيّة [٤]، كما أنّ القول [٥] الآخر لهم، فجمع الشيخ بين الحكمين المختلفين عن
[١] في ما عدا «ه» و «م»: نقضه.
[٢] المبسوط ٢: ٢٩٧.
[٣] المبسوط ٢: ٢٩٨.
[٤] المغني لابن قدامة ٥: ٤٠.
[٥] المغني لابن قدامة ٥: ٤٠.