مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ١٤٩ - الوصف الثاني الرشد
و هل يعتبر العدالة؟ فيه تردّد. (١)
قوله: «و هل تعتبر العدالة؟ فيه تردّد».
(١) اعتبر الشيخ- (رحمه اللّه)- [١] في تحقّق الرشد إصلاح المال و العدالة، فلو كان مصلحا لماله غير عدل في دينه، أو بالعكس، لم يرتفع عنه الحجر. و هو مذهب جماعة من العامّة [٢] منهم الشافعي [٣]. و احتجّوا على ذلك بقوله تعالى وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ [٤]. و قد روي [٥] أنّ شارب الخمر سفيه، فيثبت في غيره، إذ لا قائل بالفصل. و روي عن ابن عبّاس في قوله تعالى فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [٦]: «هو أن يبلغ ذا وقار و حلم و عقل» [٧].
و أكثر أهل العلم على عدم اعتبارها، و الاكتفاء بإصلاح المال على الوجه الذي ذكرناه، لأنّ المفهوم من الرشد عرفا ذلك، و هو المعتبر حيث لم يحدّ شرعا. و لأنّ الرشد نكرة مثبتة، فلا تفيد العموم في كلّ ما يصلح له، بل يصدق في صورة ما، و لا ريب في ثبوته لمصلح ماله و إن كان فاسقا. و لأنّ الكافر لا يحجر عليه بكفره، فالفاسق أولى.
و إنّما يعتبر- على القول بها- في الابتداء لا في الاستدامة. فلو عرض الفسق بعد العدالة، قال الشيخ ((رحمه اللّه)): «الأحوط أن يحجر عليه» [٨]، و لم يجعله لازما.
و على هذا يتوجّه أنّها لو كانت شرطا في الابتداء لاعتبرت بعد ذلك، لوجود المقتضي.
و اعلم أنّه لو اعتبرت العدالة في الرشد لم يقم للمسلمين سوق، و لم ينتظم
[١] المبسوط ٢: ٢٨٤.
[٢] المبسوط للسرخسي ٢٤: ١٥٧، بدائع الصنائع ٧: ١٧٠، المغني لابن قدامة ٤: ٥٦٦.
[٣] الأمّ ٣: ٢١٥. راجع أيضا المجموع ١٠: ٢٨٣.
[٤] سورة النساء: ٥.
[٥] تفسير العيّاشي ١: ٢٢٠ الوسائل ١٣: ٤٣٤ ب (٤٥) من أبواب أحكام الوصايا ح ٨.
[٦] سورة النساء: ٦.
[٧] الخلاف ٣: ٢٨٤.
[٨] الخلاف ٣: ٢٨٩ مسألة ٨. و في المبسوط ٢: ٢٨٥ «الظاهر أنه يحجر عليه».