مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ١٤٦ - و يعلم بلوغه
..........
عليه و آله و سلّم «إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها إلّا هذا» [١] و أشار إلى الوجه و الكفين. و أمّا الحمل فهو مسبوق بالإنزال، لأنّ الولد لا يخلق إلّا من ماء الرجل و ماء المرأة، كما نبّه عليه تعالى بقوله مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشٰاجٍ [٢] أي مختلطة ماء الرجل بماء المرأة، فهو دليل على سبق البلوغ، إلّا أنّ الولد لا يتيقّن إلّا بالوضع، فإذا وضعت حكمنا بالبلوغ قبل الوضع بستّة أشهر و شيء إن ولدته تامّا. لكن لا فرق بين كون ما ولدته تامّا و غير تامّ، إذا علم أنّه آدميّ أو مبدء نشوه كالعلقة.
إذا تقرّر ذلك، فقول المصنّف: «بل قد يكونان دليلان» ليس لتردّده في دلالتهما، لأنّها إجماعيّة. و إنّما أتى ب«قد» التقليليّة لأنّهما مسبوقان غالبا بغيرهما من العلامات، خصوصا السنّ، فدلالتهما على البلوغ بحيث يتوقّف علمه عليهما نادر، فناسبه التقليل.
و يمكن أن يكون التقليل في الحيض إشارة إلى فائدة أخرى، هي أنّه و غيره من الأصحاب [٣] حكموا في باب الحيض بأنّ الدم الحاصل قبل التسع لا يكون حيضا و إن كان بصفته، و إنّما يعتبر في الحكم به ما كان بعدها. و إذا كان كذلك فتنتفي فائدة دلالته، لأنّه قبلها لا اعتبار به، و بعدها لا يفتقر إليه.
و يمكن أن يقال: تظهر فائدته في المجهول سنّها، فإنّها إذا رأت ما هو بصفته جامعا لشرائطه في القلّة و الكثرة يحكم بكونه حيضا، و يكون دليلا على سبق البلوغ، لأنّ هذا لا يحكم بكونه قبل التسع مع اقترانه بدلالة الغالب على أنّ مثله لا يقع إلّا بعد التسع سنين. و يتناوله دلالة النصوص [٤] على كون الحيض موجبا للأحكام، لأنّه حيض لغة و عرفا. و حينئذ فتظهر مناسبة «قد» التقليليّة هنا.
[١] سنن أبي داود ٤: ٦٢ ح ٤١٠٤، سنن البيهقي ٧: ٨٦.
[٢] سورة الإنسان: ٢.
[٣] كابن حمزة في الوسيلة: ٥٦، و العلامة في القواعد ١: ١٤.
[٤] الوسائل ٢: ٥٥٩ ب «١٤» من أبواب الحيض و غيره.