مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٣٢٧ - الثانية لو حاش صيدا، أو احتطب، أو احتشّ بنيّة أنّه له و لغيره
..........
الاختصاص بما يجوزه، و هو عليه أشدّ حرصا من كثير من العقلاء، و لا شكّ في حصول الملك لهذا النوع. و منهم من لا قصد له، و هذا لا يصلح لتملّك المباح بمجرّد الحيازة.
و بالجملة: فالحكم في ذلك إن بني على الحكم في نفس الأمر، فمتى لم يحصل القصد إلى الاختصاص بالمباح فالأصل يقتضي عدم الملك و استصحاب حكم المباح. هذا بالنظر إلى المحيز نفسه، و أمّا بالنظر إلى غيره، فإذا رأى تحت يده شيئا من ذلك يحكم له به ظاهرا، و لا يجوز له تناوله بغير إذنه، لأنّ اليد جعلها الشارع دليلا ظاهرا على الملك.
و من هذا الباب ما نجده في الجبال من الحطب و الخشب و نحوهما من المباحات التي قد حصل عليها أثر اليد، فإنّه يحكم بها لهم عملا بظاهر اليد، و لا يلتفت فيه إلى أصالة عدم النيّة، لأنّ اليد شرعا حجّة شرعيّة أقوى من هذه الأصالة و غيرها.
و إذا رأينا أشياء تشهد القرائن الحاليّة على أنّ محيزها لم ينو التملّك، كالمقطوع لغرض من الأغراض كإصلاح طريق و إطعام دابّة، و ترك لعدم تعلّق الغرض بالباقي، فالأصل فيه البقاء على الإباحة، مع احتمال المنع هنا عملا بظاهر اليد، و إن كان الفاعل فيما بينه و بين اللّه تعالى لم يحصل له الملك. و تظهر الفائدة فيما لو رأى الفاعل أحدا قد حازه بعد ذلك، ففي ظاهر الشرع يقدّم قوله عملا بظاهر اليد، و فيما بينه و بين اللّه تعالى لا يجوز له أخذه منه، لعدم حصول ما يقتضي الملك.
و اعلم أنّ المسألة موضع تردّد لكثير من أكابر الفقهاء، كالمصنّف على ما رأيت، و الشيخ [١]- (رحمه اللّه)- و العلامة [٢] في كثير من كتبه، و جماعة آخرين [٣]. و جملة
[١] كلام الشيخ مختلف في هذه المسألة ففي المبسوط ٢: ٣٤٦ اختار أنّه للحائز و إن نوى تملّك الآمر و فيه أيضا ص ٣٥٨ ما يظهر منه خلاف ذلك و لم نجد موضعا تردّد فيه. و لعلّ منشأ النسبة عبارة العلامة في المختلف: ٤٨٠ حيث عقّب عبارة الشيخ بقوله: و عندي فيه تردّد، ممّا يوهم كونه من عبارة الشيخ (قدس سرّه).
[٢] قواعد الأحكام ١: ٢٤٤، المختلف: ٤٨٠.
[٣] ربّما يظهر ذلك من الجامع للشرائع: ٣١٣.