دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٨ - باب إسلام أبي سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب في مسير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى مكة و ما جاء فيه و في غيره في مسيره
(١) الحارث ابن له فقال: و اللّه ليأذنن لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو لآخذنّ بيد ابني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا أو جوعا، فلما بلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رقّ لهما فدخلا عليه فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه و اعتذاره مما كان مضى منه، فقال:
لعمرك إنّي يوم أحمل راية* * * لتغلب خيل اللات خيل محمد [٢]
لكالمدلج الحيران أظلم ليله* * * فهذا أواتي حين أهدى و أهتدي [٣]
هداني هاد غير نفسي و نالني* * * مع اللّه من طرّدت كل مطرّد [٤]
أصدّ و أنأى جاهدا عن محمد* * * و أدعى و إن لم أنتسب من محمد [٥]
هم ما هم من لم يقل بهواهم* * * و إن كان ذا رأي يلم و يفنّد [٦]
أريد لأرضيهم و لست بلائط* * * مع القوم ما لم أهد في كل مقعد [٧]
فقل لثقيف لا أريد قتالكم* * * و قل لثقيف تلك: غيري و أوعدي [٨]
فما كنت في الجيش الذي نال عامرا* * * و لا كان عن جري لساني و لا يدي
قبائل جاءت من بلاد بعيدة* * * نزائع جاءت من سهام و سردد
قال فذكروا أنه حين أنشد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و من طرّدت كلّ مطرّد ضرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في صدره و قال: أنت طرّدتني كل مطرّد [٩].
[٢] احمل راية: كنى بذلك عن شهود الحرب و دعوته إليها، و اللات صنم من أصنام العرب، و أراد بخيل اللات جيش الكفر و الشرك، و خيل محمد: أراد بها جيش المسلمين.
[٣] المدلج: الذي يسير ليلا.
[٤] مطرد: مصدر ميمي بمعنى الطرد، و ذلك كما في قوله تعالى: «انكم إذا مزقتم كل ممزق».
[٥] أصد: أمنع الناس عن الدخول في الإيمان، و أنأى: ابعد بنفسي عنه، و جاهدا: مجتهدا.
[٦] يفند: ينسب إلى الفند، و هو الكذب، أو يلام.
[٧] لائط: ملصق، يقال: لاط حبه بقلبي، إذا لصق به.
[٨] أوعدي: هددي.
[٩] رواه ابن هشام في السيرة (٤: ١٥)، و نقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٢٨٧).