الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - العلامة الأميني - الصفحة ٤
ما يسرده التاريخ! أو التطبيق بينهما إن جاءا متفقين في بيان الحقيقة.
والمفسر لا منتدح له من التوغل في التاريخ عند ما يقف على آيات كريمة توعز إلى قصص الماضين وأحوالهم ، لضرب من الحكمة ، ونوع من العظة ، وعلى آيات أخرى نزلت في شئون خاصة ، يفصلها التاريخ تفصيلا ، والباحث إذا دقق النظرة في أي علم يجد أن له مسيسا بالتاريخ لا يتم لصاحبه غايته المتوخاة إلا به.
فالتاريخ إذا ضالة العالم ، وطلبة المتفنن ، وبغية الباحث ، وأمنية أهل الدين ومقصد الساسة ، وغرض الأديب ، والقول الفصل : إنه مأرب المجتمع البشري أجمع وهو التاريخ الصحيح الذي لم يقصد به إلا ضبط الحقايق على ما هي عليه ، فلم تعبث به أغراض مستهدفة ، ولم يعث فيه نزعات أهوائية ككثير مما ألف من زبر التاريخ التي روعي في جملة منها جلب مرضاة القادة والأمراء ، أو تدعيم مبدأ ، أو فكر مفكر ، أو أريد به التحليق بأشخاص معلومين إلى أوج العظمة ، والاسفاف بآخرين إلى هوة الضعة ، لمغاز هنالك تختلف باختلاف الظروف والأحوال ، أو إختلط فيه الحابل بالنابل ، بتوسع المؤلفين لما حسبوه من أن الإحاطة بكل ما قيل توسع في العلم ، وإحسان في السمعة ، ذهولا منهم عن أن مقادير الرجال بالدراية لا بالرواية [١] فأدخلوا في التاريخ هفوات لا تحصى ، غير شاعرين بأن رواة تلك السفاسف زبائن عصبة ، وحناق على عصبة ، أو أنهم قصاصون غير مكترثين من الاكثار في النقل الخرافي أو الافتعال ، إكبارا للسمعة ، أو نزولا على حكم النهمة ، فتلقتها عنهم السذج في العصور المتأخرة كحقايق راهنة ، وتنبه لها المنقب فوجدها أحاديث خرافية فرفضها ، غير مبال بالطعن على التاريخ ، فلا شعر أولئك أنها وليدة تقاليد أو مطامع ، ولا عرف هذا أن الآفة عن ورطات القالة ، وسوء صنيع
[١] في كتاب زيد الزراد عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال : قال أبو جعفر ٧ : يا بني أعرف منازل شيعة علي على قدر روايتهم ومعرفتهم فإن المعرفة هي الدراية للرواية ، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجة الإيمان ، إني نظرت في كتاب لعلي (ع) فوجدت فيه : إن زنة كل امرئ وقدره معرفته ، إن الله يحاسب العباد على قدر ما أتاهم من العقول. وفي غيبة النعماني ص ٧٠ في حديث عن الإمام الصادق (ع) خبر تدريه خير من عشر ترويه إن لكل حق حقيقة ، ولكل صواب نورا. وفي كشف الغمة للشعراني ج ١ ص ٤٠ : كان علي بن أبي طالب ٢ يقول : كونوا للعلم وعاة ، ولا تكونوا له رواة.