مسند الإمام الباقر أبي جعفر محمد بن علي(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٣٩٢ - ٣- باب مواعظه
مشغول القلب، فقلت: جعلت فداك ما حزنك و شغل قلبك، كلّ هذا على الدّنيا، فقال (عليه السلام): لا يا جابر، و لكن حزن همّ الآخرة يا جابر من دخل قلبه خالص حقيقة الايمان شغل عما فى الدّنيا من زينتها إن زينة زهرة الدنيا إنّما هو لعب و لهو، و إنّ الدار الآخرة لهى الحيوان يا جابر: إنّ المؤمن لا ينبغى له أن يركن و يطمئنّ إلى زهرة الدنيا.
و اعلم أن أبناء الدنيا هم أهل غفلة و غرور و جهالة و أن أبناء الآخرة هم المؤمنون العاملون الزاهدون أهل العلم و الفقه و أهل فكرة و اعتبار لا يملّون من ذكر اللّه. و اعلم يا جابر أن أهل التقوى هم الأغنياء، أغناهم القليل من الدنيا، فمؤونتهم يسيرة إن نسيت الخير ذكروك و إن عملت به أعانوك، أخروا شهواتهم، و لذاتهم خلفهم، و قدّموا طاعة ربّهم أمامهم و نظروا إلى سبيل الخير و إلى ولاية أحباء اللّه فأحبّوهم و تولّوهم و اتبعوهم.
فأنزل نفسك من الدنيا، كمثل منزل نزلت ساعة ثم ارتحلت عنه، أو كمثل مال استفدته فى منامك ففرحت به، و سررت ثم انتبهت من رقدتك، و ليس فى يدك شيء، و إنى إنما ضربت لك مثلا لتعقل و تعمل به إن وفقك اللّه له.
فاحفظ يا جابر ما استودعك من دين اللّه و حكمته و انصح لنفسك و انظر ما للّه عندك فى حياتك، فكذلك يكون لك العهد عنده، فى مرجعك و انظر فإن تكن الدنيا عندك على غير ما وصفت لك، فتحوّل عنها إلى دار المستعتب اليوم فلربّ حريص على أمر من أمور الدّنيا قد ناله، فلما ناله كان عليه وبالا و شقى به و لربّ كاره، لأمر من أمور الآخرة قد ناله فسعد به (١).
(١) تحف العقول: ٢٠٨.