رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٦٢ - الفصل الثالث في دلائل شيخ الطائفة طاب ثراه على الغيبة و في غيبات الأنبياء
و أمّا ابطاء نوح (عليه السّلام) فإنه لما استنزل العقوبة على قومه [من السماء] [١]، بعث اللّه عزّ و جلّ الروح الأمين (عليه السّلام) بسبعة نويات فقال: يا نبي اللّه إن اللّه تبارك و تعالى يقول لك: إن هؤلاء خلائقي و عبادي و لست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلّا بعد تأكيد الدعوة و الزام الحجة، فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك فإني مثيبك عليه، و اغرس هذا النوى فإن لك في نباتها و بلوغها و ادراكها إذا أثمرت الفرح و الخلاص، فبشّر بذلك من تبعك من المؤمنين.
فلمّا نبتت الأشجار و بلغت و أثمرت بعد زمن طويل استنجز من اللّه سبحانه و تعالى العدة، فأمر اللّه تعالى أن يغرس من نوى تلك الأشجار و يعاود الصبر و الاجتهاد و يؤكد الحجة على قومه، و أخبر بذلك الطوائف التي آمنت به فارتد منهم ثلاثمائة رجل و قالوا: لو كان ما يدعيه نوح حقا لما وعد من وعد ربّه خلف.
ثم إن اللّه تبارك و تعالى لم يزل يأمره عند كل مرة أن يغرسها تارة بعد أخرى إلى أن غرسها سبع مرات، فما زالت تلك الطوائف ترتد منهم طائفة بعد طائفة إلى أن عاد إلى نيف و سبعين رجلا، فأوحى اللّه عزّ و جلّ عند ذلك إليه و قال: الآن أسفر الصبح عند الليل لعينك حين صرح الحق عن محضه و صفى من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة، فلو أني أهلكت الكفار و أبقيت من قد ارتد من الطوائف التي كانت آمنت بك، لما كنت صدقت وعدي السابق للمؤمنين الذين أخلصوا التوحيد من قومك و أعتصموا بحبل نبوتك بأن أستخلفهم في الأرض و أمكّن لهم دينهم و أبدّل خوفهم بالأمن، لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشك من قلوبهم، و كيف يكون الاستخلاف و التمكين و بدل الخوف بالأمن مني لهم مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الذين ارتدوا و خبث طينتهم و سوء سرائرهم التي كانت نتائج النفاق، فلو أنهم تنسموا مني الملك الذي أوتي المؤمنين وقت الاستخلاف إذا هلكت أعدائهم لنشقوا روائح صفاته و كاشفوا إخوانهم بالعداوة و حاربوهم على طلب الرئاسة، وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا.
و كذلك القائم تمتد أيام غيبته ليصرح الحق عن محضه و يصفو الإيمان من الكذب
[١]- زيادة عن نسخة أخرى.