رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٥٧ - الفصل الثالث في دلائل شيخ الطائفة طاب ثراه على الغيبة و في غيبات الأنبياء
وجوده من عدمه، و إذا لم يختص وجوده غائبا بوجه الوجوب الذي ذكروه، لم يقتض دليلهم وجوب وجوده مع الغيبة.
و أجاب طاب ثراه: بأن انبساط يده (عليه السّلام) و الخوف من تأديبه إنما فات المكلفين بما يرجع إليهم، لأنهم أحوجوه إلى الاستتار بأن أخافوه و لم يمكّنوه، فأتوا من قبل أنفسهم و جرى ذلك مجرى أن يقول قائل: من لم يحصل له معرفة اللّه تعالى في تكليفه وجه قبح، لأنه لم يحصل له ما هو لطف له من المعرفة، فينبغي أن يقبح تكليفه، فما يقولونه هاهنا: من أن الكافر أتى من قبل نفسه، لأن اللّه قد نصب له الدلالة على معرفته و مكّنه من الوصول إليها، فإذا لم ينظر و لم يعرف أتى في ذلك من قبل نفسه و لم يقبح ذلك تكليفه، فكذلك نقول: انبساط يد الإمام و إن فات المكلف فانما أتى من قبل نفسه و لو مكّنه لظهر و انبسطت يده فحصل لطفه فلم يقبح تكليفه، لأن الحجة عليه لا له.
ثم قال: فإن قيل: لم زعمتم أنه يجب إيجاده في حال الغيبة، و هلّا جاز أن يكون معدوما؟.
قلنا: إنما أوجبنا ذلك من حيث إن تصرفه الذي هو لطفنا إذا لم يتم إلّا بعد وجوده و ايجاده لم يكن في مقدورنا.
قلنا عند ذلك: إنه يجب على اللّه ذلك، و إلّا أدى إلى أن لا نكون مزاحي العلة بفعل اللطف، فنكون أتينا من قبله تعالى لا من قبلنا، و إذا أوجده و لم نمكّنه من انبساط يده أتينا من قبل نفوسنا، فحسن التكليف و في الأول لم يحسن.
ثم تكلم طاب ثراه على اعتراضات القوم و أجاب عنها و أبطلها ثم قال: فإن قيل: فالحدود في حال الغيبة ما حكمها؟ فإن سقطت على الجاني على ما يوجبها الشرع، فهذا نسخ الشريعة و إن كانت باقية فمن يقيمها؟
قلنا: الحدود المستحقة باقية في جنوب مستحقيها، فإن ظهر الإمام و مستحقوها باقون أقامها عليهم بالبينة أو الإقرار، و إن كان فات ذلك بموته كان الإثم في تفويتها على من أخاف الإمام و ألجأه إلى الغيبة، و ليس هذا نسخا لإقامة الحدود، لأن الحدّ إنما يجب إقامته مع التمكّن و زوال المانع و يسقط مع الحيلولة، و إنما يكون ذلك نسخا لو سقط إقامتها مع الإمكان و زوال