دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٩ - شبهة التضادّ و نقض الغرض
و الوجوب- مثلًا- ليس بين اعتباريهما، بل بين مبادئهما من ناحية؛ لأنّ الشيء الواحد لا يمكن أن يكون مبغوضاً و محبوباً، و بين متطلّباتهما في مقام الامتثال من ناحيةٍ اخرى؛ لأنّ كلًاّ منهما يستدعي تصرّفاً مخالفاً لِمَا يستدعيه الآخر. فإذا كانت الحرمة واقعية و الوجوب ظاهرياً فلا تنافي بينهما في المبادئ؛ لأنّنا نفترض مبادئ الحكم الظاهريّ في نفس جعله لا في المتعلق المشترك بينه و بين الحكم الواقعي [١]، و لا تنافي بينهما في متطلّبات مقام الامتثال؛ لأنّ الحرمة
[١] لا يخفى أنّ السيّد الخوئي (رحمه الله) تحدّث عن مبادئ الأحكام الظاهريّة من زاويتين: فتارةً من زاوية شبهة تفويت المصالح الواقعيّة على العباد أو إلقائهم في المفاسد الواقعيّة، و اخرى من زاوية شبهة التضادّ بين مبادئ الحكم الواقعي و مبادئ الحكم الظاهري.
أمّا من زاوية شبهة تفويت المصالح أو الإلقاء في المفاسد، فقد أكّد على أنّ الحكم الظاهري و إن كان قد يؤدّي إلى تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة و لكنّه من حيث المجموع يتمّ به حفظ نسبةٍ أعلى من المصالح و الملاكات الواقعيّة، و ذلك لغلبة مطابقته للواقع (راجع مصباح الاصول ٢: ٩٢- ٩٤) و هذا يعني أنّه (رحمه الله) يرى أنّ المصلحة المتوخّاة من الأحكام الظاهريّة إنّما هي الحفاظ على النسبة الغالبة من ملاكات الأحكام الواقعيّة، و إن كان قد يؤدّي أيضاً إلى بعض الخسائر، فليس للأحكام الظاهريّة إذاً مبادئ و ملاكات في رأيه (رحمه الله) سوى هذه المصلحة النوعيّة. و هل أنّ هذه المصلحة النوعيّة الملحوظة في الأحكام الظاهريّة تكمن في نفس جعل الحكم الظاهري أو في متعلّقه المشترك بينه و بين الحكم الواقعي أو في أمر ثالث؟ فهذا ما لم يتحدّث عنه خلال الإجابة عن شبهة تضييع الملاكات الواقعيّة على العباد.
و أمّا من زاوية شبهة التضادّ بين مبادئ الحكم الواقعي و مبادئ الحكم الظاهري فقد أكّد على أنّ مبادئ الحكم الظاهري تكمن في نفس الجعل الكلّي الصادر من الشارع الذي يشمل موارد تطابقه للواقع و موارد عدم تطابقه له، لا في متعلّق الحكم الظاهري الذي يتعلّق به الحكم الواقعي المجهول أيضاً، و علّل ذلك بأنّ الأحكام الظاهريّة «مجعولة في ظرف الشكّ في وجود المصلحة الواقعيّة، و قد لا تكون مصلحة في المتعلّق واقعاً، فكيف يمكن أن تكون تابعةً للمصالح الواقعيّة في المتعلّقات؟» (مصباح الاصول ٢: ١١٠) و هذا يعني أنّه (رحمه الله) ناظر- هنا أيضاً- إلى المصالح الواقعيّة النوعيّة التي تحدّث عنها في الزاوية الاولى، و لكنّه لمّا رأى أنّ هذه المصالح لا تكمن في متعلّق الحكم الظاهري بحسب كلّ موردٍ مورد- إذ قد لا يطابق الواقع- لهذا اتّجه إلى القول بأنّ هذه المصلحة النوعيّة تكمن في جعل الحكم الظاهري في إطاره الواسع لا في متعلّقاته في كلّ موردٍ مورد. و بهذا انتهى إلى أنّ مصبّ مبادئ الأحكام الظاهريّة يختلف عن مصبّ مبادئ الأحكام الواقعيّة، فلا تضادّ فيما بينها إلّا إذا أدّت إلى التنافي في مقام الامتثال، و هذا ما لا تؤدّي إليه أيضاً، لأنّ الحكم الواقعي المجهول لا امتثال له