دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨٥ - المعاني الحرفيّة
الوجود: فتارةً يلحظ بما هو، و يسمّى باللحاظ الاستقلالي، و اخرى يلحظ بما هو حالة قائمة بالطرفين مطابقاً لواقعه الخارجي، و يسمّى باللحاظ الآلي، و كلمة (ابتداء) تدلّ عليه ملحوظاً بالنحو الأوّل، و (مِن) تدلّ عليه ملحوظاً باللحاظ الثاني.
فالفارق بين مدلولي الكلمتين في نوع اللحاظ مع وحدة ذات المعنى الملحوظ فيهما معاً. إلّا أنّ هذا لا يعني أنّ اللحاظ الاستقلاليّ أو الآليّ مقوِّم للمعنى الموضوع له أو المستعمل فيه و قيد فيه؛ لأنّ ذلك يجعل المعنى أمراً ذهنياً غير قابلٍ للانطباق على الخارج، و إنّما يؤخذ نحو اللحاظ قيداً لنفس العلقة الوضعية المجعولة للواضع، فاستعمال الحرف في الابتداء حالة اللحاظ الاستقلاليّ استعمال في معنىً بلا وضع؛ لأنّ وضعه له مقيّد بغير هذه الحالة، لا استعمال في غير ما وضع له [١].
[١] كأنّ صاحب الكفاية (رحمه الله) قاس عمليّة الوضع الصادرة من الواضع بمثل عمليّة البيع الصادرة من البائع، فكما أنّ البائع قد يأخذ خصوصيّة معيّنة قيداً في المبيع- كما إذا قال: بعتك عبداً كاتباً بكذا- و قد يأخذها قيداً في عقد البيع- كما إذا قال: بعتك ذات هذا العبد بكذا بشرط أن يكون كاتباً- كذلك الواضع قد يأخذ خصوصيّةً معيّنة قيداً في المعنى الموضوع له، كما إذا قال: وضعت كلمة (من) لمعنى الابتداء الملحوظ باللحاظ الآلي، و قد يأخذها قيداً في العلقة الوضعيّة، كما إذا قال: وضعت كلمة (من) لذات معنى الابتداء بشرط أن يلحظ باللحاظ الآلي، و كذلك يمكنه أخذ خصوصيّة اللحاظ الاستقلالي عند وضعه لكلمة (الابتداء) بنفس هاتين الطريقتين، أي أنّه تارة يأخذها قيداً في المعنى الموضوع له و اخرى يأخذها قيداً في العلقة الوضعيّة. غاية الأمر أنّ الواضع لو أخذ خصوصيّة اللحاظ الآلي أو الاستقلالي قيداً في المعنى الموضوع له أصبحت تلك الخصوصيّة مقوّمة للمعنى الموضوع له بحيث لو استعمله المتكلّم في غير تلك الخصوصيّة كان ذلك استعمالًا في غير ما وضع له، و يترتّب على ذلك أنّ المعنى الموضوع له سيكون متقوّماً بأمر ذهنيّ و لا يمكن انطباقه- حينئذٍ- على الخارج، و أمّا إذا أخذ تلك الخصوصيّة قيداً في العلقة الوضعيّة لا في المعنى الموضوع له أصبحت تلك الخصوصيّة مقوّمةً للوضع لا للمعنى الموضوع له، بمعنى أنّه لو استعمله المتكلّم في غير تلك الخصوصيّة أصبح ذلك استعمالًا بلا وضع لا استعمالًا في غير ما وضع له، و هذا يعني أنّ المعنى الموضوع له ليس متقوّماً بالأمر الذهنيّ حتّى يمتنع انطباقه على الخارج.
و قد رأى صاحب الكفاية (رحمه الله) أنّ الواضع قد اتّبع الطريقة الثانية في وضع الأسماء و الحروف كي لا يمتنع انطباق معانيها على الخارج، و ذلك بأخذ خصوصيّة اللحاظ الآلي قيداً في العلقة الوضعيّة للحروف و خصوصيّة اللحاظ الاستقلالي قيداً في العلقة الوضعيّة للأسماء، و بهذا يكون المعنى الموضوع له في كلّ حرفٍ متّحداً ذاتاً مع المعنى الموضوع له في الاسم الموازي له و إن كانا مختلفين في كيفيّة اللحاظ. و هذه النظريّة في تفسير المعنى الحرفي هي التي وصفها استاذنا الشهيد (رحمه الله) بأنّها تخلق صورةً غريبةً في ذهن الطالب، و ذلك في المقدّمة المفصّلة التي وضعها في بداية الحلقة الاولى من هذا الكتاب، ضمن بيان المبرّر الأوّل من مبرّرات استبدال الكتب الدراسيّة في علم الاصول