دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٣ - شبهات حول الحكم الظاهري
٣- إنّ الحكم الظاهريّ من المستحيل أن يكون منجِّزاً للتكليف الواقعيّ المشكوك و مصحّحاً للعقاب على مخالفة الواقع؛ لأنّ الواقع لا يخرج عن كونه مشكوكاً بقيام الأصل أو الأمارة المثبِتَين للتكليف.
و معه يشمله حكم العقل بقبح العقاب بلا بيانٍ- بناءً على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان-، و الأحكام العقلية غير قابلةٍ للتخصيص [١].
[١] حاصل هذا الاعتراض: أنّ القائلين بالتخطئة و بأنّ الحكم الظاهري لا يغيّر الواقع يعترفون عادةً بأنّ الأحكام الظاهريّة ليس لها تنجيز و تعذير بصورة مستقلّة عن الأحكام الواقعيّة، و إنّما هي تنجّز الحكم الواقعي المحتمل أو تعذّر عنه، و حينئذٍ يقال بأنّ الحكم الظاهري كيف يمكنه أن ينجّز الحكم الواقعي في حال كونه مشكوكاً و مشمولًا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنّ هذه القاعدة- عند القائلين بها- قاعدة عقليّة غير قابلة للإلغاء أو التخصيص من قبل الشارع، إذ أنّ الشارع- بما هو شارع- لا يمكنه التدخّل في الأحكام العقليّة فيرفع قبح الفعل القبيح- مثلًا- في بعض الحالات.
و لا يخفى أنّ ظاهر بعض كلمات الأصحاب دالّ على أنّهم يقصدون بالبيان الذي اخذ عدمُه في موضوع هذه القاعدة ما يعمّ البيان على الحكم الواقعي و البيان على الحكم الظاهري، و بناءً على هذا متى ما وصل إلينا بيان على الحكم الظاهري انتفى به موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و هذا لو تمّ كان مرجعه إلى ضيق دائرة هذه القاعدة العقليّة من أساسها على فرض صحّتها، و لا يستلزم تخصيص الحكم العقلي بالدليل الشرعي حتّى يقال باستحالة ذلك.
و لكن يمكن أن يقع الكلام في مدى تماميّة أصل هذه الدعوى، أعني اختصاص موضوع القاعدة من أساسها بصورة عدم وصول بيانٍ على الحكم الظاهري بالإضافة إلى الواقعي بناءً على صحّة أصل هذه القاعدة، فإنّ هذه الدعوى منوطة بمعرفة حقيقة الحكم الظاهري و تفسير الفرق الجوهري بينه و بين الحكم الواقعي، حتّى يُعرف مدى تناسب ذلك لأخذ عدمه قيداً في موضوع هذه القاعدة