دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١١٨ - العلم الإجمالي
و يبقى بعد ذلك سؤال إثباتي، و هو: هل ورد الترخيص في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي؟ و هل يمكن إثبات ذلك بإطلاق أدلّة الاصول؟
و الجواب: هو النفي؛ لأنّ [١] (ذلك [٢] يعني افتراض أهمّية الغرض الترخيصيّ من الغرض الإلزامي، حتّى في حالة العلم بالإلزام و وصوله إجمالًا، أو مساواته له على الأقلّ [٣]) (و هو و إن كان افتراضاً معقولًا ثبوتاً و لكنّه على خلاف الارتكاز العقلائي؛ لأنّ الغالب في الأغراض العقلائية عدم بلوغ الأغراض الترخيصية إلى تلك المرتبة [٤]) (و هذا
[١] هذا التعليل يمكن تجزئته إلى ثلاث مقدّمات، و قد حصرناها بين الأقواس لتسهيل الأمر على الطالب
[٢] أي ورود الترخيص في المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي
[٣] إذ عرفنا سابقاً أنّ الحكم الظاهريّ إنّما يعبّر عن اهتمام المولى بحفظ قسمٍ من أغراضه الواقعيّة عند الخلط و الاشتباه، فإذا ورد الحكم الظاهريّ بالترخيص كان يعني أنّ المولى اهتمّ بحفظ الغرض الترخيصي- و هو ملاك الإباحة الاقتضائيّة- على فرض وجوده واقعاً، و هذا يكشف عن أنّ الغرض الترخيصي أولى بالحفظ لدى المولى من الغرض الإلزامي عند الخلط و الاشتباه، أو أنّه مساوٍ له على أقلّ تقدير، في حين أنّ الغرض الإلزامي معلومٌ بالعلم الإجمالي في دائرة محصورة- حسب الفرض- فلا بدّ و أن يكون الغرض الترخيصيّ أهمّ عنده من الغرض الإلزامي حتّى في حالة كون الغرض الإلزامي معلوماً بصورة قطعيّة
[٤] أي إلى مرتبة تقتضي تقديمها على الغرض الإلزامي حتّى في حالة العلم بالإلزام، فإنّ العقلاء قد يقدّمون الغرض الترخيصي على الغرض الإلزاميّ المحتمل، كالمريض الذي يقدّم غرض التمتّع بطعام لذيذ على الضرر الصحّيّ الكبير الذي يحتمل ترتّبه على تناول ذلك الطعام ما دام لا يقطع بترتّبه عليه، و لكنّهم لا يقدّمون الغرض الترخيصي- عادةً- على الغرض الإلزاميّ القطعي، كما في المثال المذكور إذا كان الضرر قطعيّاً فإنّ الإنسان العاقل لا يتناول الطعام المذكور- حينئذٍ- كما هو واضح