دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٠ - الأحكام التكليفيّة و الوضعيّة
و أمّا القسم الأوّل فمقتضى وقوعه موضوعاً للأحكام التكليفيّة عقلائيّاً و شرعاً هو كونه مجعولًا بالاستقلال؛ لا منتزعاً عن الحكم التكليفي؛ لأنّ موضوعيّته للحكم التكليفيّ تقتضي سبقه عليه رتبةً، مع أنّ انتزاعه يقتضي تأخّره عنه.
و قد تُثار شبهة لنفي الجعل الاستقلاليّ لهذا القسم أيضاً [١] بدعوى أنّه لغو؛ لأنّه [٢] بدون جعل الحكم التكليفيّ المقصود لا أثر له، و معه [٣] لا حاجة إلى الحكم الوضعي، بل يمكن جعل الحكم التكليفيّ ابتداءً على نفس الموضوع الذي يفترض جعل الحكم الوضعيّ عليه [٤].
[١] كما ذهب إليه الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) و إن لم يصرّح بدعوى لزوم اللغويّة، حيث قال: «فهذه الامور بنفسها ليست أحكاماً شرعيّة، نعم الحكم بثبوتها شرعيّ، و حقائقها إمّا امور اعتباريّة منتزعة من الأحكام التكليفيّة- كما يقال: الملكيّة كون الشيء بحيث يجوز الانتفاع به و بعوضه، و الطهارة كون الشيء بحيث يجوز استعماله في الأكل و الشرب و الصلاة، نقيض النجاسة- و إمّا امور واقعيّة كشف عنها الشارع» (فرائد الاصول ٣: ١٣٠)
[٢] أي الجعل الاستقلالي لهذا القسم من الأحكام الوضعيّة
[٣] أي مع جعل الحكم التكليفي المقصود
[٤] فيقال مثلًا: إنّه لا حاجة إلى جعل عنوان (الملكيّة) أوّلًا على ما يحصل عليه الإنسان بالحيازة أو غيرها من أسباب الملكيّة ثمّ جعل الأحكام التكليفيّة عليها من جواز تصرّفه فيه و حرمة تصرّف الآخرين فيه بغير رضاه إلى غير ذلك، بل يمكن أن تُجعل هذه الأحكام التكليفيّة- ابتداءً- على ما يحصل عليه الإنسان بتلك الأسباب من دون حاجة إلى توسيط عنوان الملكيّة بينها و بينه أصلًا