دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٦٣ - وفاء الدليل بدور القطع الطريقي و الموضوعي
و أمّا البحث الثاني [١]: فإن كان القطع مأخوذاً موضوعاً لحكمٍ شرعيٍّ بوصفه منجِّزاً و معذِّراً فلا شك في قيام الأمارة المعتبرة شرعاً مقامه؛ لأنّها تكتسب من دليل الحجِّية صفة المنجِّزية و المعذِّرية فتكون فرداً من الموضوع، و يعتبر دليل الحجِّية في هذه الحالة وارداً على دليل ذلك الحكم الشرعيّ المرتَّب على القطع؛ لأنّه يحقّق مصداقاً حقيقياً لموضوعه [٢].
[١] و هو أنّ دليل حجّية الأمارة هل يستفاد منه قيامها مقام القطع الموضوعي أو لا؟
[٢] مثال ذلك: ما دلّ على حرمة الإفتاء بغير علم، فإنّه يعني أخذ القطع بكلّ حكمٍ في موضوع جواز الإفتاء بذلك الحكم، بمعنى أنّ الفقيه لا يحقّ له الإفتاء بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال- مثلًا- إلّا إذا حصل له القطع بهذا الوجوب، فإذا استظهرنا من هذا الدليل أخذ القطع في موضوع جواز الإفتاء لا بما هو كاشف تامّ بل بما هو منجّز و معذّر- بمعنى أنّ مطلق ما يثبت الحكم تنجيزاً و تعذيراً يكفي لجواز الإفتاء بذلك الحكم و ليس العلم إلّا مثالًا بارزاً لما ينجّز الحكم و يعذّر عنه- فحينئذٍ لو قامت أمارة- كخبر الثقة مثلًا- على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و لم يحصل القطع بذلك و لكن دلّ الدليل على حجّية هذه الأمارة كفى ذلك لجواز الإفتاء بهذا الوجوب، لأنّ دليل حجّية هذه الأمارة قد جعلها منجّزة و معذّرة فأصبحت مصداقاً حقيقيّاً لموضوع جواز الإفتاء، و هذا في الحقيقة تطبيق لفكرة (الورود) فإنّها- على ما مضى في بحث التعارض من الحلقة الثانية- عبارة عمّا إذا كان أحد الدليلين يتصرّف في موضوع الحكم المطروح في الدليل الآخر تصرّفاً حقيقيّاً إمّا بنفي فردٍ من موضوعه حقيقةً أو بإيجاد فردٍ جديد له كذلك، و قد عرفت أنّ دليل حجّية تلك الأمارة- في المثال المذكور- قد أوجد فرداً جديداً حقيقةً لموضوع جواز الإفتاء، فهو وارد على الدليل الذي دلّ على أخذ العلم بما هو منجّز و معذّر في موضوع جواز الإفتاء