دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٤٥ - مفهوم الشرط
فالأولى من ذلك كلّه أن يستظهر عرفاً كون الجملة الشرطيّة موضوعةً للربط بمعنى التوقّف و الالتصاق من قِبَل الجزاء بالشرط [١]، وعليه فيثبت المفهوم.
و أمّا ما نحسّه من عدم التجوّز في حالات عدم الانحصار [٢] فيمكن
[١] و هذا في الحقيقة رجوع إلى الوجه الأوّل من الوجوه الخمسة المذكورة لإثبات مفهوم الشرط، و لكن بالصيغة المناسبة لمبنى السيّد الشهيد (رحمه الله) نفسِه في ضابط المفهوم
[٢] هذه إشارة إلى الملاحظة التي سبق إيرادها على الوجه الأوّل من الوجوه المذكورة لإثبات مفهوم الشرط، من وقوع التزاحم بين وجدانين:
أحدهما: الوجدان القاضي بصدق التبادر المدّعى في الوجه المذكور، و هو تبادر الذهن من الجملة الشرطيّة إلى معنى الربط الخاصّ الذي يستدعي الانتفاء عند الانتفاء.
و الثاني: الوجدان القاضي بأنّ استعمال الجملة الشرطيّة في موارد عدم إرادة الانحصار- أي في الموارد التي قد لا ينتفي الجزاء فيها عند انتفاء الشرط، كما في مثل «إذا نمت فتوضّأ»- ليس مجازاً.
و ما لم يتمّ التوفيق بين هذين الوجدانين لا يمكن الاعتماد على التبادر المدّعى في الوجه المذكور.
و حاصل الحلّ المقترح هنا لهذا التزاحم أن يقال بأنّ الوجدان الأوّل و إن كان يقتضي دلالة الجملة الشرطيّة بالوضع على الربط الخاصّ الذي يستدعي الانتفاء عند الانتفاء، و هي النسبة التوقّفيّة على رأينا، و لكنّ الوجدان الثاني لا يقتضي عدم وضع الجملة الشرطيّة لذلك الربط حتّى يقع التضادّ و التزاحم بين الوجدانين، و ذلك لأنّ عدم انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط في مثل «إذا نمت فتوضّأ» إن كان تفسيره منحصراً بعدم إرادة النسبة التوقّفيّة في هذه الجملة لكان الوجدان الثاني- القاضي بعدم مجازيّة هذا الاستعمال- مقتضياً لعدم وضع الجملة الشرطيّة للنسبة المذكورة و لوقع التضادّ بين الوجدانين، و لكنّ الواقع أنّ عدم انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط في أمثال هذا المثال ليس تفسيره منحصراً بذلك، بل يمكن تفسيره على أساس عدم إرادة الإطلاق من مدلول الجزاء، مع الحفاظ على إرادة النسبة التوقّفيّة بين الشرط و الجزاء، و ذلك بأن يكون المراد بمثل قول القائل: «إذا نمت فتوضّأ» أنّ وجوباً معيّناً خاصّاً للوضوء يتوقّف على النوم لا مطلق وجوب الوضوء، فلربّ وجوبٍ آخر للوضوء غير متوقّف على النوم، فلا ينتفي وجوب الوضوء حينئذٍ عند انتفاء النوم لا لعدم إرادة النسبة التوقّفيّة في هذه الجملة بل لعدم إرادة الإطلاق من مدلول الجزاء.
فبناءً على هذا التفسير سوف يكون الاستعمال في مثل هذه الجملة استعمالًا حقيقيّاً كما يقتضيه الوجدان الثاني، لأنّه لم يخرج عن المعنى الموضوع له اللفظ حتّى يصبح مجازاً، و إنّما خالف الظهور الإطلاقي فحسب، و مخالفة الظهور الإطلاقي لا تجعل الاستعمال مجازاً كما هو واضح، و قد حافظنا في نفس الوقت على مقتضى الوجدان الأوّل، و هي دلالة الجملة الشرطيّة بالوضع على معنى النسبة التوقّفيّة بين الشرط و الجزاء.
و بما ذكرنا يتمّ التوفيق بين الوجدانين المذكورين و يزول المانع حينئذٍ عن التمسّك بالتبادر المذكور لإثبات وضع الجملة الشرطيّة للنسبة التوقّفيّة، و بذلك يتمّ الركن الأوّل من ركني ضابط المفهوم، و عند الشكّ في الركن الثاني- أعني إرادة طبيعي الحكم من الجزاء- يمكن التمسّك بإطلاق مدلول الجزاء لإثباته كما مضى، و بذلك تتمّ دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم ما لم تقم قرينةٌ على خلافها من ضرورة فقهيّة أو غيرها، كما في مثل «إذا نمت فتوضّأ»