دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٠٧ - الجملة الخبريّة و الإنشائيّة
الكفاية [١] و غيره [٢] من وحدة الجملتين في مدلولهما التصوّري و اختلافهما في المدلول التصديقيّ فقط، و قد تقدم الكلام عن ذلك [٣].
الثاني: أنّ الاختلاف بينهما ثابت في مرحلة المدلول التصوري؛ و ذلك في كيفيّة الدلالة [٤]، فقد يكون المدلول التصوريّ واحداً و لكنّ كيفيّة الدلالة تختلف، فإنّ جملة (بعتُ) الإنشائيّة دلالتها على مدلولها بمعنى إيجادها له باللفظ، و جملة (بعتُ) الإخباريّة دلالتها على مدلولها بمعنى إخطارها للمعنى و كشفها عنه [٥].
[١] تجد ذلك في بحث الوضع من كتاب الكفاية: ٢٧. لكنّ عبارته (رحمه الله) في بحث الطلب و الإرادة أقرب إلى الاتّجاه الثاني، حيث يقول: «و أمّا الصيغ الإنشائيّة فهي على ما حقّقناه في بعض فوائدنا موجدة لمعانيها في نفس الأمر، أي قصد ثبوت معانيها و تحقّقها بها» (كفاية الاصول: ٨٧- ٨٨)
[٢] كالمحقّق الأصفهاني (رحمه الله) في خصوص الألفاظ المشتركة بين الإخبار و الإنشاء مثل كلمة (بعت) كما صرّح بذلك في بحث الطلب و الإرادة من كتاب نهاية الدراية ١: ٢٧٥
[٣] في بحث الدلالة من الحلقة الاولى تحت عنوان: الجملة الخبريّة و الجملة الإنشائيّة. و حاصله: أنّ هذه النظريّة إن صحّت فإنّما تجري في مثل (بعت) من الألفاظ المشتركة بين الإخبار و الإنشاء، و لا تجري في غيرها كما في (أعاد) و (أعد)
[٤] لا في ذات المدلول
[٥] ذكر السيّد الشهيد (رحمه الله) في البحث الخارج أربعة وجوه لتفسير إيجاديّة الجمل الإنشائيّة بغير المعنى المطروح لها في باب الحروف (بحوث في علم الاصول ١: ٢٨٩- ٢٩٥) و ما جاء ذكره هنا يناسب الوجه الأوّل من تلك الوجوه، و توضيح مدّعى النظريّة بناءً على هذا الوجه أنّ سنخ علاقة اللفظ بالمعنى و تأثيره فيه الحاصل بسبب الوضع ليس من نوع واحد دائماً بل إنّما هو من نوعين مختلفين، إذ تارةً يكتسب اللفظ بسبب الوضع صلاحيّة إخطار المعنى، و اخرى يكتسب به صلاحيّة إيجاد المعنى، و هما نوعان مختلفان من الصلاحيّة المكتسبة من الوضع و إن كنّا نعبّر عنهما معاً بالدلالة، فجملة (بعت) الإخباريّة وضعت للدلالة على اعتبار التمليك بالنحو الأوّل، فدلالتها على هذا الاعتبار تكون بمعنى إخطارها له، و جملة (بعت) الإنشائيّة وضعت للدلالة على اعتبار التمليك أيضاً و لكنّها بالنحو الثاني لا بالنحو الأوّل، فتكون دلالتها على هذا الاعتبار بمعنى إيجادها له لا بمعنى إخطارها له. و بهذا يظهر أنّ الاختلاف بين هاتين الجملتين- بناءً على الوجه المذكور- ليس في المعنى المدلول عليه بالوضع، فإنّ المعنى المدلول عليه بالوضع في كلتا الجملتين واحد، و هو اعتبار التمليك، و إنّما الاختلاف بينهما في نوعيّة الدلالة، فإنّها في إحداهما عبارة عن إخطار هذا الاعتبار، و في الاخرى عبارة عن إيجاده، و هذا الاعتبار في كلتا الحالتين هو تمام المعنى المدلول عليه بالوضع لا جزءُه، و كلّ من خصوصيّة الإيجاد و الإخطار ليس دخيلًا في المعنى الموضوع له بل هو دخيل في كيفيّة الدلالة كما ذكرنا، خلافاً لما توهّمه بعض الأفاضل من أنّ التمليك- بناءً على هذه النظريّة- هو جزء المعنى الموضوع له، و الجزء الآخر هو الإيجاد تارةً و الإخطار تارةً اخرى، و هذا بعيد جدّاً عن مراد السيّد الشهيد (رحمه الله) في بيان هذا الوجه من النظريّة المذكورة، هذا بالإضافة إلى أنّه حفظه اللَّه جعل الجزء الثاني الذي افترضه للمعنى الموضوع له- بناءً على النظريّة المذكورة- هو (الإيجاد) تارةً و (الإخبار) تارةً اخرى، فعبّر بالإخبار بدلًا عن الإخطار خطأً أو تسامحاً (الحلقة الثالثة في اسلوبها الثاني ١: ٣٥٤- ٣٥٥).
ثمّ إنّ استاذنا الشهيد (رحمه الله) لم ينسب هذا الوجه من تفسير إيجاديّة الجمل الإنشائية إلى أحد، و لعلّه لعدم وضوح مقاصد الأصحاب من كلماتهم، و قد جاء ما يقارب المعنى المذكور في المتن من الفرق بين إيجاديّة الجمل الإنشائيّة و إيجاديّة الحروف في كلمات المحقّق النائيني (رحمه الله) (فوائد الاصول، الجزء الأوّل و الثاني: ٤٦- ٤٧، و أجود التقريرات، الجزء الأوّل: ٣١) و لكنّه صرّح بأنّ الجملة الإنشائيّة كالجملة الخبريّة تماماً من حيث إخطار المعنى في ذهن السامع، و أمّا الإخباريّة و الإنشائيّة فهما مستفادتان من السياق و قرائن الحال