دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٢٢ - القسم الأوّل ما يدلّ على الطلب بلا عناية
القول الثاني: ما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله) من: أنّ ذلك بحكم العقل [١]، بمعنى أنّ الوجوب ليس مدلولًا للدليل اللفظي، و إنّما مدلوله الطلب، و كلّ طلبٍ لا يقترن بالترخيص في المخالفة يحكم العقل بلزوم امتثاله، و بهذا اللحاظ يتّصف بالوجوب. بينما إذا اقترن بالترخيص المذكور لم يلزم العقل بموافقته، و بهذا اللحاظ يتّصف بالاستحباب.
و يرد عليه:
أوَّلًا: أنّ موضوع حكم العقل بلزوم الامتثال لا يكفي فيه مجرّد صدور الطلب مع عدم الاقتران بالترخيص؛ لوضوح أنّ المكلّف إذا اطّلع بدون صدور ترخيصٍ من قبل المولى على أنّ طلبه نشأ من ملاكٍ غير لزوميٍّ و لا يؤذي المولى فواته لم يحكم العقل بلزوم الامتثال، فالوجوب العقليّ فرع مرتبةٍ معيّنةٍ في ملاك الطلب، و هذه المرتبة لا كاشف عنها إلّا الدليل اللفظي، فلا بدّ من فرض أخذها في مدلول اللفظ لكي يتنقّح بذلك موضوع الوجوب العقلي [٢].
[١] كما جاء التصريح بذلك حول دلالة صيغة الأمر في أجود التقريرات ١: ١٤٤. و جاءَت الإشارة إلى ذلك حول دلالة مادّة الأمر في نفس المصدر ص ١٣٢.
و قد تبعه السيّد الخوئي (رحمه الله) في هذا الرأي كما جاء ذلك حول دلالة مادّة الأمر في كتاب المحاضرات ٢: ١٤ و حول دلالة صيغة الأمر في نفس المصدر: ١٣١- ١٣٢
[٢] حاصل هذا الإيراد: أنّه إن لم يكن الوجوب داخلًا في المدلول اللفظي للأمر و كان مدلوله اللفظي عبارة عن مجرّد الطلب، لم يكن عدم اقتران الترخيص به كافياً لحكم العقل بوجوب الامتثال، ما لم يكن ملاك هذا الطلب شديداً و متناسباً مع الإلزام، و لا يعرف ذلك بمجرّد الدلالة على الطلب، فتشمله البراءة الشرعيّة بل العقليّة أيضاً عند القائلين بها، فلكي يتمّ موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال لا بدّ من وجود دالٍّ مسبقاً على شدّة ملاك الطلب المتناسبة مع الإلزام، و مجرّد الدلالة اللفظيّة على الطلب لا يكفي لذلك، و إن لم يقترن به الترخيص. و الشاهد على ذلك أنّنا لو اطّلعنا- بوجهٍ من الوجوه- على أنّ ملاك هذا الطلب ضعيف و غير متناسب مع الإلزام و إن لم يقترن به الترخيص، لم يحكم العقل بوجوب الامتثال، و هذا يعني أنّ حكم العقل بوجوب الامتثال فرع مرتبةٍ عاليةٍ من ملاك الطلب، و هي المرتبة المتناسبة مع الإلزام، و ما لم يدلّ الدليل اللفظي مسبقاً على هذه المرتبة من ملاك الطلب لم يحكم العقل بوجوب الامتثال