دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢١٩ - القسم الأوّل ما يدلّ على الطلب بلا عناية
حيث إنّ الإرسال سعي نحو المقصود من قبل المرسِل، فتكون الهيئة دالّةً على الطلب بالدلالة التصوّرية تبعاً لدلالتها تصوّراً على منشأ انتزاعه [١].
[١] يمكن تحليل هذا المطلب إلى ثلاثة امور بالترتيب التالي:
أوّلًا: إنّ الإرسال سعيٌ نحو المقصود من قبل المرسِل، و ليس المراد بذلك أنّ (الإرسال) و (السعي نحو المقصود) متّحدان مفهوماً، و إلّا اتّحد معنى (الإرسال) مع معنى (الطلب) إذ سبق تعريف الطلب بأنّه السعي نحو المقصود، بل المراد بذلك أنّ واقع الإرسال مصداق من مصاديق مفهوم الطلب بالمعنى المذكور، و ذلك لأنّ السعي نحو المقصود- الذي هو معنى الطلب- كما قد يتحقّق خارجاً بنزح الماء من البئر، و قد يتحقّق خارجاً بالتفتيش عن الماء هنا و هناك، كذلك قد يتحقّق خارجاً بإرسال شخصٍ نحو تحصيل الماء.
و ثانياً: يترتّب على الأمر الأوّل أنّ مفهوم الطلب بالمعنى المذكور منتزع عقلًا من واقع الإرسال بوصفه مصداقاً من مصاديقه الخارجيّة، و هذا منوط بالقاعدة المطروحة في بحث نظريّة المعرفة من أنّ المفاهيم الكلّية تُنتزع دائماً من مصاديقها الخارجيّة، مثل مفهوم الإنسان الذي ينتزع من زيدٍ، و عمروٍ، و بكر.
و ثالثاً: يترتّب على الأمرين السابقين أنّ كلّ ما دلَّ دلالةً تصوّريّة على معنى الإرسال- سواء على نحو المعنى الاسمي أو على نحو المعنى الحرفي- فهو دالّ تصوّراً أيضاً على معنى الطلب، و ذلك منوط بقاعدةٍ لا بدّ و أن تكون مبحوثةً في محلّها، و حاصلها: أنّ كلّ ما دلّ بالمطابقة على منشأ انتزاع مفهومٍ من المفاهيم فهو دالٌّ تبعاً لذلك على ذلك المفهوم دلالةً تصوّريّة، مثل كلمة (زيد) الدالّة بالمطابقة على مصداقٍ من المصاديق التي ينتزع منها المفهوم الكلّي للإنسان، فإنّها تدلّ تبعاً لذلك على معنى كلّي الإنسان دلالةً تصوّريّة، و هل أنّ هذه الدلالة التبعيّة دلالة التزاميّة، أو تضمّنيّة، أو غيرهما، فلا بدّ من بحثه في محلّه.
و النتيجة المتحصّلة من هذه الامور الثلاثة أنّ صيغة فعل الأمر التي تدلّ بالمطابقة على معنى الإرسال تدلّ تبعاً لذلك على معنى الطلب دلالةً تصوّريّة