دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨٧ - المعاني الحرفيّة
و الاتّجاه الثاني: ما ذهب إليه مشهور المحقّقين بعد صاحب الكفاية [١]، من أنّ المعنى الحرفيّ و المعنى الاسميّ متباينان ذاتاً، و ليس الفرق بينهما باختلاف كيفية اللحاظ فقط، بل إنّ الاختلاف في كيفية اللحاظ ناتج عن الاختلاف الذاتي بين المعنيين، على ما سيأتي توضيحه إن شاء اللَّه تعالى.
أمّا الاتّجاه الأوّل فيرد عليه: أنّ البرهان قائم على التغاير السنخيّ و الذاتيّ بين معاني الحروف و معاني الأسماء، و ملخّصه: أنّه لا إشكال في أنّ الصورة الذهنية التي تدلّ عليها جملة (سار زيد من البصرة إلى الكوفة) مترابطة، بمعنى أنّها تشتمل على معانٍ مرتبطةٍ بعضها ببعض، فلا بدّ من افتراض معانٍ رابطةٍ فيها لإيجاد الربط بين (السير) و (زيد) و (البصرة) و (الكوفة).
و هذه المعاني الرابطة إن كانت صفة الربط عرضيّةً لها و طارئةً [٢] فلا بدّ أن تكون هذه الصفة مستمدّةً من غيرها؛ لأنّ كلّ ما بالعَرَض ينتهي إلى ما بالذات [٣]، و بهذا ننتهي إلى معانٍ يكون الربط ذاتيّاً
[١] أجود التقريرات ١: ٢٢- ٢٣، و مقالات الاصول ١: ٨٩- ٩١، و المحاضرات ١: ٥٩- ٦٧
[٢] كما توهّمه صاحب الكفاية (رحمه الله)
[٣] هذه قاعدة فلسفيّة تعبّر عن ضرورة استناد كلّ عرض إلى ما هو ذاتيّ له أو إلى عرض آخر مستندٍ بدوره إلى ما هو ذاتيّ له و هكذا إلى أن ينتهي إلى أمرٍ هو ذاتيّ له، فمثلًا عند ما تعرض الحرارة على الطعام لا بدّ و أن تكون هذه الحرارة مستندةً إلى النار التي هي ذاتيّة لها أو مستندةً إلى حرارة القدر التي هي مستندة بدورها إلى النار التي هي ذاتيّة لها و هكذا