دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٨٦ - دلالات التقرير
و أمّا كيف يمكن إثبات أنّ السيرة كانت قائمةً فعلًا في عصر المعصومين فقد مرّ بنا البحث عن ذلك في الحلقة السابقة [١].
إلّا أنّ اشتراط المعاصرة إنّما هو في السيرة التي يراد بها إثبات حكمٍ شرعيٍّ كلّي، و الكشف بها عن دليلٍ شرعيٍّ على ذلك الحكم [٢]،
[١] ضمن البحث عن وسائل الإثبات الوجداني، تحت عنوان: الإحراز الوجداني للدليل الشرعي غير اللفظي
[٢] هذا التعبير و أمثاله من التعابير الواردة في المتن الدالّة على كاشفيّة السيرة عن وجود دليل شرعي على الحكم إنّما يناسب سيرة المتشرّعة لا سيرة العقلاء، و ذلك لما نبّه عليه السيّد الشهيد (رحمه الله) نفسه في الحلقة الماضية بالتفصيل (في بحث وسائل الإثبات الوجداني، تحت عنوان سيرة المتشرّعة) و أشرنا إليه في بعض تعليقاتنا السابقة من الفرق الجوهري بين طريقة استنباط الحكم الشرعي من سيرة العقلاء و طريقة استنباطه من سيرة المتشرّعة، حيث إنّ سيرة العقلاء لا تكشف بنفسها عن الحكم الشرعي إلّا بضمّ السكوت الدالّ على الإمضاء، و السكوت حينئذٍ هو الدليل الدالّ على الحكم الشرعي و ليس كاشفاً عن الدليل الشرعي، و أمّا سيرة المتشرّعة فهي كاشفة عن الدليل الشرعي على طريقة الكشف الإنّي، لأنّها وليدة الدليل الشرعي و لو لا وجود دليل شرعي لدى المتشرّعة الأوائل على ما انعقدت عليه سيرتهم لما كانت تنعقد سيرتهم عليه، و لهذا بحث السيّد الشهيد (رحمه الله) سيرة العقلاء في الحلقة الماضية ضمن الأبحاث الراجعة إلى تحديد دلالة الدليل الشرعي غير اللفظي، و بحث سيرة المتشرّعة ضمن الأبحاث الراجعة إلى وسائل الإثبات الوجداني للدليل الشرعي.
و من الغريب تعبيره (رحمه الله) هنا في ذيل البحث عن سيرة العقلاء بما يدلّ على أنّها كاشفة عن الدليل الشرعي، و أنّها من وسائل إثبات الدليل الشرعي، و نحو ذلك من التعابير المناسبة لسيرة المتشرّعة لا لسيرة العقلاء مع حذفه لبحث سيرة المتشرّعة نهائيّاً عن المحلّ المناسب له في هذه الحلقة.
و الواقع إنّ البحث المذكور حول اشتراط معاصرة السيرة للمعصومين (عليهم السلام) و عدم اشتراطها- بقطع النظر عن أساليب التعبير الواردة فيه- كما يناسب طرحه في ذيل البحث عن سيرة العقلاء، يناسب طرحه أيضاً في ذيل البحث عن سيرة المتشرّعة، إذ كما أنّ استنباط الحكم الشرعي الكلّي من سيرة العقلاء على أساس سكوت الشارع مشروط بكون تلك السيرة معاصرةً للمعصومين (عليهم السلام)، كذلك استنباط الحكم الشرعي من سيرة المتشرّعة على أساس الكشف الإنّي الذي أشرنا إليه، فإنّه مشروط أيضاً بمعاصرة تلك السيرة للمعصومين (عليهم السلام) أو مقاربتها لعصرهم على أقلّ تقدير كما حقّق ذلك في محلّه، بخلاف السيرة المحقّقة لصغرى الحكم الشرعي حيث لا يشترط فيها المعاصرة للمعصومين (عليهم السلام) و لا المقاربة لعصرهم كما ورد شرحه هنا في المتن، و هذا يعني أنّ البحث المذكور يناسب طرحه في ذيل البحث عن كلّ من السيرتين.
و أنا أحتمل أنّه (رحمه الله) كان قد أعدّ هذا البحث في بادئ الأمر ليذيّل به بحث سيرة المتشرّعة من الحلقة الماضية، فجاءَت أساليب التعبير الواردة فيه مناسبةً لسيرة المتشرّعة، و لمّا تمّ المقدار المطلوب من البحث حول سيرة المتشرّعة هناك و لم يبقَ شيء مهمّ فيها يقتضي استئناف البحث حولها في الحلقة الثالثة، ترك البحث عنها في هذه الحلقة نهائيّاً، ثمّ عزم على نقل البحث المذكور من هناك إلى ذيل بحث سيرة العقلاء من هذه الحلقة، و غفل عندئذٍ عن تغيير التعابير الواردة فيه المناسبة لسيرة المتشرّعة إلى تعابير اخرى مناسبة لسيرة العقلاء. و اللَّه العالم