دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١١٦ - العلم الإجمالي
بترك المخالفة القطعية قد يعني إلزامه بفعل [١] المباح لكي لا تتحقّق المخالفة القطعية، و على هذا الأساس يتقبَّل توجّه ترخيصٍ جادٍّ إليه من قبل المولى في كلا الطرفين لضمان الحفاظ على الملاكات الاقتضائية للإباحة [٢].
[١] كذا في الطبعة الاولى. و لكن في بعض الطبعات الاخرى كلمة (بترك) بدلًا عن (بفعل) و الصحيح ما في الطبعة الاولى خصوصاً مع النظر إلى مثال الشبهة الوجوبية الواردة في المتن- و هو العلم الإجمالي بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة- فإنّ ترك المخالفة القطعيّة في مثل ذلك يستدعي فعل أحد الطرفين على أقلّ تقدير و قد يكون ذلك الفعل مباحاً في الواقع، و هذا يعني إلزامه بفعل المباح لا بترك المباح
[٢] توضيح الجواب على الإشكال المذكور: أنّ البرهان الذي تبنّاه السيّد الاستاذ الشهيد (رحمه الله) سابقاً لاستحالة ورود الترخيص الجادّ في مخالفة القطع كان مشتملًا على مقطعين يؤكّد في أحدهما على استحالة ورود الترخيص الحقيقي (الذي يحمل روح الأحكام الواقعيّة) و في الآخر على استحالة ورود الترخيص الطريقي (الذي يحمل روح الأحكام الظاهريّة) و الأوّل منهما و إن كان يجري بشأن المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي كجريانه بشأن مخالفة القطع في موارد العلم التفصيليّ لكنّ الثاني يختصّ بمخالفة القطع في موارد العلم التفصيليّ و لا يجري بشأن المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي- و إن كان مستبطناً للعلم التفصيلي بالجامع- و ذلك لأنّ الترخيص الطريقي إنّما كان يستحيل وروده في موارد العلم التفصيلي لأنّ العالم بالعلم التفصيلي لا يرى هذا الترخيص جدّيّاً بشأنه، لأنّ الترخيص الطريقيّ ينشأ من أجل الحفاظ على الملاكات الاقتضائيّة الواقعيّة للإباحة في دائرة اختلاطها بغيرها- كما سبق توضيحه في بيان كيفيّة الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي- و الإنسان العالم بالتكليف بالعلم التفصيلي يرى معلومه خارجاً عن دائرة الاختلاط، لأنّه معيَّن عنده بالتفصيل و هو يعتقد إصابة علمه للواقع، و بالتالي يرى التزامه بعلمه هذا غير مفوّت لشيء من الملاكات الاقتضائيّة للإباحة التي جاء الترخيص الطريقي لأجل الحفاظ عليها فهو إذن غير جدّيّ بشأنه. و هذا بخلاف العلم الإجمالي فإنّ العالم بالعلم الإجمالي يمكن أن يتقبّل ورود خطاب طريقيّ جادٍّ إليه يرخّصه في المخالفة القطعيّة لعلمه الإجمالي، و ذلك لأنّه لا يرى معلومه خارجاً عن دائرة الخلط و الاشتباه بالرغم من اعتقاده بإصابة علمه للواقع، لأنّه معلوم بالإجمال و ليس معلوماً بالتفصيل، و حتّى الجامع الذي يقال عنه: إنّه معلوم بالتفصيل ليس خارجاً عن دائرة الخلط و الاشتباه أيضاً لأنّه يستحيل وجوده في الخارج بحدّه الجامعي و هو لا يعلم أنّ هذا الجامع قد وجد ضمن أيّ فرد من الأفراد، و بالتالي يحتمل أن يكون التزامه بعلمه مفوّتاً لملاكات الإباحة الموجودة في دائرة الخلط و الاشتباه، فيكون الترخيص الطريقي معبّراً عن أهميّة تلك الملاكات من ملاك التكليف المعلوم بالإجمال، و بهذا يظهر إمكان ورود الترخيص الظاهري في جميع أطراف العلم الإجمالي و إن كان يستلزم سلب المنجزيّة عن العلم الإجمالي على مستوى المخالفة القطعيّة، و هذا لا يعني سقوط الحكم الواقعي المعلوم بالإجمال- حينئذٍ- حتّى يستلزم التصويب، بل إنّما يعني سقوط تنجّزه فحسب رغم كونه قطعيّاً.
هذا كلّه في أصل إمكان ورود الترخيص ثبوتاً، و أمّا إثبات وروده بالفعل فلا طريق لنا إليه لما جاء في المتن من المحذور الإثباتيّ الذي يمنع عن التمسّك بإطلاقات أدلّة الاصول المؤمّنة لإثبات الترخيص في جميع الأطراف