دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢١١ - الجملة الخبريّة و الإنشائيّة
الثالث: أنّ الجملتين مختلفتان في المدلول التصوّري حتى في حالة اتّحاد لفظهما و دلالتهما على نسبةٍ واحدة، فإنّ الجملة الخبريّة موضوعة لنسبةٍ تامّةٍ منظوراً إليها بما هي حقيقة واقعة و شيء مفروغ عنه. و الجملة الإنشائيّة موضوعة لنسبةٍ تامّةٍ منظوراً إليها بما هي نسبة يراد تحقيقها [١]، كما تقدّم في الحلقة
[١] و لتوضيح هذه الفكرة نقول:
إنّ جملة (بعت) سواء كانت إخباريّة أو إنشائيّة تدلّ على نسبة تامّة- أي غير اندماجيّة- بين البيع و البائع، أو قل: بين اعتبار التمليك و فاعل هذا الاعتبار، فيا ترى إنّ النسبة بين البيع و البائع في واقعها الخارجي المناسب لها على نوعين، و قد عبّر السيّد الشهيد (رحمه الله) عن أحدهما بقوله: «منظوراً إليها بما هي حقيقة واقعة و شيء مفروغ عنه» و عن الآخر بقوله: «منظوراً إليها بما هي نسبة يراد تحقيقها»؟ أو أنّ النسبة بين البيع و البائع في واقعها الخارجي المناسب لها نوع واحد و الخصوصيّتان إنّما هما راجعتان إلى عالم اللحاظ و التصوّر لا إلى عالم الخارج؟
قد يبدو أنّ الأوّل خلاف الوجدان- ضرورة أنّ النسبة بين البيع و البائع في واقعها الخارجي المناسب لها لا تختلف باختلاف نوع النظر إليها من قبل المتكلّم- و الثاني يستلزم أخذ خصائص عالم اللحاظ و التصوّر في المعنى الموضوع له ممّا يؤدّي إلى كون المعنى ذهنيّاً غير قابل للتطبيق على الخارج.
و مثل هذا النقاش يجري أيضاً في التفريق بين الحروف و الأسماء الموازية لها حيث يقال: إنّ الوجود الخارجي لمعنى الابتداء مثلًا بنحو واحد سواء لاحظناه في عالم الذهن باللحاظ الآلي أو باللحاظ الاستقلالي، و إدخال هذين اللحاظين في المعنى الموضوع له يؤدّي إلى كون المعنى ذهنيّاً غير قابل للانطباق على الخارج.
و على هذا الأساس ذهب صاحب الكفاية (رحمه الله) إلى أنّ خصوصيّتي الآليّة و الاستقلاليّة دخيلتان في العلقة الوضعيّة لا في المعنى الموضوع له، و قد نوقش ذلك في محلّه.
و التحقيق الذي أفاده استاذنا الشهيد (رحمه الله) في كلتا المسألتين (بحوث في علم الاصول ١: ٢٩٥) أنّ للفظ موضوعاً له بالذات و موضوعاً له بالعرض: و الأوّل هو الصورة الذهنيّة التي وقعت طرفاً للملازمة مع تصوّر اللفظ- وفقاً لنظريّة القرن الأكيد في الوضع- و الثاني هو ذات المعنى الذي تحكي عنه تلك الصورة الذهنيّة. و لا مانع من أن يحدّد طرف الملازمة في الذهن- أي الموضوع له بالذات- بخصوصيّات معيّنة مرتبطة بعالم اللحاظ دون أن يفقد قابليّته للحكاية عن الخارج- أي عن المعنى الموضوع له بالعرض- و ذلك فيما إذا كانت تلك الخصوصيّات غير دخيلة في الحكاية عن الخارج، و بهذا يصبح من الممكن اتّحاد المعنى الموضوع له بالعرض مع تعدّد المعنى الموضوع له بالذات فيما إذا تعدّدت الخصوصيّات الذهنيّة غير الدخيلة في الحكاية عن الخارج كالآليّة و الاستقلاليّة فإنّهما من شئون عالم اللحاظ و لا دخل لهما في الحكاية عن الخارج، فتبقى الصورة الذهنيّة عن الابتداء مثلًا حاكيةً عن معنىً واحد في عالم الخارج سواء لوحظت في عالم الذهن باللحاظ الآلي أو باللحاظ الاستقلالي.
و مثله يقال أيضاً في كون النسبة بين البيع و البائع مثلًا (منظوراً إليها بما هي حقيقة واقعة و شيء مفروغ عنه) و كونها (منظوراً إليها بما هي يراد تحقيقها) فإنّهما من الخصائص المرتبطة بعالم اللحاظ و لا دخل لهما في الحكاية عن الخارج، و قد اخذت الخصوصيّة الاولى في المعنى الموضوع له بالذات لجملة (بعت) الخبريّة و الخصوصيّة الثانية في المعنى الموضوع له بالذات لجملة (بعت) الإنشائيّة رغم اتّحاد المعنى الموضوع له بالعرض فيهما.
و لا يخفى أنّ الإخباريّة و الإنشائيّة بالمعنى الذي وضّحناه راجعتان إلى عالم المدلول اللفظي و لا تختصّان بفرض وجود الإرادة الجدّيّة للمتكلّم في الحكاية عن وقوع النسبة و تحقّقها تارةً، و في إرادة إيقاعها و تحقيقها تارةً اخرى، إذ يمكن افتراضهما حتّى في حالات الهزل و الاستهزاء، فقد يبرز المتكلّم الهازل صورةَ نسبةٍ تامّةٍ منظورٍ إليها بما هي حقيقة واقعة، و قد يبرز صورةَ نسبةٍ تامّةٍ منظورٍ إليها بما هي يراد تحقيقها، مع عدم وجود مراد جدّي له في كلتا الحالتين، نعم التمييز بين المعنيين بحاجة إلى قرينة سواء كان له مراد جدّي أو لا كما هو شأن كلّ مشترك لفظي