دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٣٠ - القسم الأوّل ما يدلّ على الطلب بلا عناية
القول الثالث: إنّ دلالة الأمر على الوجوب بالإطلاق و قرينة الحكمة، و تقريب ذلك بوجوه [١]:
أحدها: أنّ الأمر يدلّ على ذات الإرادة، و هي تارةً شديدة كما في الواجبات، و اخرى ضعيفة كما في المستحبّات. و حيث إنّ شدّة الشيء من سنخه بخلاف ضعفه [٢] فتتعيّن بالإطلاق الإرادة الشديدة؛ لأنّها بحدّها لا تزيد على الإرادة بشيء، فلا يحتاج حدّها إلى بيانٍ زائدٍ على بيان المحدود، بينما تزيد الإرادة الضعيفة بحدّها عن حقيقة الإرادة
[١] الظاهر أنّ القول المذكور بدأ بين الأصحاب بتقريب ابتدائي ساذج حاصله هو التمسّك بقاعدة أنّ المطلق ينصرف إلى أكمل الأفراد مع دعوى أنّ الطلب الوجوبي أكمل من غيره- كما جاء ذلك في كتاب (هداية المسترشدين ١: ٥٩٥)- ثمّ ظهرت الوجوه الاخرى على يد المحقّقين المتأخّرين كما ستعرف
[٢] توضيح ذلك: أنّنا نجد أنّ الماهيّات المشكّكة التي تحدّد بحدّ الشدّة تارةً و بحدّ الضعف تارةً اخرى- كالبياض، و النور، و غيرهما- شدّتها تكون من سنخ أنفسها بخلاف ضعفها فإنّه يكون من سنخ آخر، فالنور مثلًا إن كان شديداً فإنّ شدّته من سنخ النور أيضاً و ليس من سنخ آخر، و أمّا إن كان ضعيفاً فسواءً جعلنا ضعفه عبارة عن أمر وجوديّ كدرجةٍ من الظلام مثلًا أو عبارة عن أمر عدميّ كعدم درجة عالية من النور مثلًا فإنّ هذا الضعف- على كلا التقديرين- لا يكون من سنخ النور بل يكون من سنخ آخر و هو سنخ الظلام مثلًا أو سنخ عدم النور، و هكذا في مثل البياض و غيره من الماهيّات المشكّكة، و من جملتها ماهية (الإرادة) فشدّتها تكون من سنخها لأنّها إرادة أيضاً، بخلاف ضعفها فإنّه من سنخ آخر كسنخ الكراهة أو عدم الإرادة مثلًا