دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٣١ - القسم الأوّل ما يدلّ على الطلب بلا عناية
فلو كانت هي المعبّر عنها بالأمر لكان اللازم نصب القرينة على حدِّها الزائد؛ لأنّ الأمر لا يدلّ إلّا على ذات الإرادة [١].
و قد اجيب [٢] على ذلك: بأنّ اختلاف حال الحدّين أمر عقليّ بالغ الدقّة و ليس عرفيّاً، فلا يكون مؤثّراً في إثبات إطلاقٍ عرفيٍّ يعيّن أحد الحدّين.
ثانيها: و هو مركّب من مقدِّمتين:
المقدِّمة الاولى: أنّ الوجوب ليس عبارةً عن مجرّد طلب الفعل؛ لأنّ ذلك ثابت في المستحبّات أيضاً، فلا بدّ من فرض عنايةٍ زائدةٍ بها يكون الطلب وجوباً، و ليست هذه العناية عبارةً عن انضمام النهي و المنع عن الترك إلى طلب الفعل؛ لأنّ النهي عن شيءٍ ثابت في باب المكروهات أيضاً [٣]، و إنّما
[١] و قد ذكر هذا الوجه المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) (في نهاية الدراية ١: ٣١٥) توضيحاً للوجه الذي ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) (في كتاب الكفاية: ٩٤) لدلالة صيغة الأمر على الوجوب بعد فرض التنازل عن كونها حقيقةً في ذلك بالوضع. ثمّ أجاب على ذلك بما جاء ذكره في المتن.
و قد جاء في كلمات المحقّق العراقي (رحمه الله) أيضاً ما يمكن حمله على الوجه المذكور (مقالات الاصول ١: ٢٠٨. و نهاية الأفكار ١- ٢: ١٦٢)
[٢] نهاية الدراية ١: ٣١٩
[٣] ليس المقصود بباب المكروهات هنا خصوص الأفعال المكروهة- كما توهّمه البعض- فإنّ الكراهة كما يمكن تعلّقها بالفعل يمكن تعلّقها بالترك أيضاً، و كلمة (الشيء) صادقة على الأمر الوجودي و العدمي معاً.
و المراد: أنّه لمّا كان النهي غير مختصّ بباب المحرّمات بل يجري في باب المكروهات أيضاً إذن فالنهي عن الترك كما يمكن أن يكون تحريميّاً يمكن أن يكون كراهتيّاً أيضاً، و هذا يعني أنّ مجرّد انضمام النهي عن الترك إلى طلب الفعل لا يكفي لجعل الطلب وجوبيّاً إذ ربّما يكون الاستحباب أيضاً مقترناً بالنهي عن الترك و لو على مستوى الكراهة لا التحريم، فيتعيّن أن يكون مميّز الوجوب عبارة عن عدم الترخيص في الترك