دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٦٤ - وفاء الدليل بدور القطع الطريقي و الموضوعي
و أمّا إذا كان القطع مأخوذاً بما هو كاشف تامّ فلا يكفي مجرّد اكتساب الأمارة صفة المنجِّزية و المعذِّرية من دليل الحجِّية لقيامها مقام القطع الموضوعي، فلا بدّ من عنايةٍ إضافيةٍ في دليل الحجِّية [١]، و قد التزم المحقّق النائينيّ (قدس سره) بوجود هذه العناية بناءً على ما تبنّاه من مسلك جعل الطريقية [٢].
[١] بمعنى أنّ دليل الحجّية بالإضافة إلى دلالته على منجّزيّة تلك الأمارة و معذّريّتها لا بدّ و أن تدلّ على نكتة معيّنة تقتضي ترتّب حكم الكاشف التامّ على تلك الأمارة حتّى يتمّ قيامها مقام القطع الموضوعيّ، أمّا مجرّد دلالته على المنجّزيّة و المعذّريّة فلا يثبت به إلّا مدلول تلك الأمارة إثباتاً ظاهريّاً و لا يترتّب عليه الحكم الذي اخذ في موضوعه القطع بما هو كاشف تامّ، لأنّ المنجّزيّة و المعذّريّة لا تحقّقان صفة الكاشفيّة التامّة
[٢] أجود التقريرات ٣: ٢٨. و لا يخفى أنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) إنّما التزم بذلك في قيام الأمارة مقام ما يسمّى عندهم بالقطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقيّة (و المعبّر عنه أيضاً بالقطع الموضوعي الطريقي) لا في قيام الأمارة مقام ما يسمّى عندهم بالقطع الموضوعي المأخوذ على وجه الصفتيّة (و المعبّر عنه أيضاً بالقطع الموضوعي الصفتي). فإنّ الأصحاب قسّموا القطع الموضوعي إلى القطع المأخوذ في موضوع الحكم على وجه الطريقيّة، و القطع المأخوذ في موضوع الحكم على وجه الصفتيّة، و التزم جملة منهم كالشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) (فرائد الاصول ١: ٣٣- ٣٤) و المحقّق النائيني (رحمه الله) (أجود التقريرات ٣: ٢٨) بقيام الأمارة مقام القسم الأوّل و عدم قيامه مقام القسم الثاني.
و وقع بحث طويل بين الأعلام في تفسير هذين القسمين و تصوير الفرق بينهما، و طبّق بعض الأفاضل اصطلاحي القطع الموضوعي الطريقي و القطع الموضوعي الصفتي على نفس التقسيم الذي ذكره السيّد الشهيد (رحمه الله) هنا للقطع الموضوعي، فجعل القطع المأخوذ في موضوع الحكم بوصفه منجّزاً و معذّراً هو القطع المسمّى بالموضوعي الطريقي، و جعل القطع المأخوذ في موضوع الحكم بوصفه كاشفاً تامّاً هو القطع المسمّى بالموضوعي الصفتي (الحلقة الثالثة في اسلوبها الثاني ١: ١٧٦) و احتمل بعض المحقّقين أن يكون هذا التفسير هو مراد الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) بالتقسيم المذكور (مباحث الاصول، الجزء الأوّل من القسم الثاني، هامش الصفحة ٣٩٨).
و لكن قد ظهر بما ذكرنا- من أنّ الميرزا النائيني و الشيخ الأنصاري (قدّس اللَّه أسرارهما) إنّما التزما بقيام الأمارة مقام القطع الموضوعي في القسم الأوّل من قسمي القطع الموضوعي بحسب تقسيمهم لا في القسم الثاني منه- أنّ القسم الثاني الذي ذكره السيّد الشهيد (رحمه الله) هنا، أعني القطع المأخوذ بوصفه كاشفاً تامّاً، يغاير القسم الثاني الذي ذكره الأصحاب، أعني القطع الموضوعي الصفتي، و لا يمكن تفسير أحدهما بالآخر، و ذلك لأنّ العَلمين المذكورين (رحمهما الله) قد صرّحا بعدم قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الصفتي، في حين أنّ أحدهما- على أقلّ تقدير- و هو المحقّق النائيني (رحمه الله)، يقول بقيامها مقام القطع المأخوذ بوصفه كاشفاً تامّاً، كما نسبه إليه السيّد الشهيد (رحمه الله) في المتن، فكيف يمكن تطبيق هذا على ذاك و تفسير أحدهما بالآخر؟
إذاً فالظاهر أنّ التقسيم الذي ذكره السيّد الشهيد (رحمه الله) هنا للقطع الموضوعي مستقلّ تماماً و أجنبي عن التقسيم المعروف لدى الأصحاب، مهما كانوا قاصدين بتقسيمهم المعروف لهذا القطع من التفاسير الاخرى