دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٥ - شبهة التضادّ و نقض الغرض
و هو ما يسمّى ب (جعل الحكم المماثل)، فإن أخبر الثقة بوجوب شيءٍ و كان حراماً في الواقع، تمثّلت حجّيته في جعل وجوبٍ ظاهريٍّ لذلك الشيء وفقاً لما أخبر به الثقة، فيلزم على هذا الأساس اجتماع الضدّين، و هما: الوجوب الظاهري و الحرمة الواقعية.
و لكنّ الافتراض المذكور خطأ؛ لأنّ الصحيح أنّ معنى حجّية خبر الثقة- مثلًا- جعلُه عِلماً و كاشفاً تامّاً عن مؤدّاه بالاعتبار، فلا يوجد حكم تكليفيّ ظاهريّ زائداً على الحكم التكليفيّ الواقعيّ ليلزم اجتماع حكمين تكليفيّين متضادّين؛ و ذلك لأنّ المقصود من جعل الحجية للخبر- مثلًا- جعله منجِّزاً للأحكام الشرعية التي يحكي عنها، و هذا يحصل بجعله علماً و بياناً تامّاً؛ لأنّ العلم منجِّز، سواء كان علماً حقيقةً كالقطع، أو علماً بحكم الشارع كالأمارة. و هذا ما يسمّى بمسلك (جعل الطريقية) [١].
[١] توضيح بيان المحقّق النائيني (رحمه الله): أنّ توهّم التضادّ بين الحكم الظاهري و الواقعي ينشأ من تفسير الحكم الظاهري طبقاً لنظريّة (جعل الحكم المماثل) التي تفترض أنّ جعل الحجّية ظاهراً لخبر الثقة- مثلًا- معناه جعل حكم شرعي من قبل الشارع (تبارك و تعالى) على طبق ما أخبر به الثقة، فإن لم يطابق الواقع وقع التضادّ بينه و بين الحكم الواقعي، في حين أنّ النظريّة المذكورة غير صحيحة، بل الصحيح- على ما يراه المحقّق النائيني (رحمه الله)- أنّ جعل الحجّية لخبر الثقة (أو لأيّ أمارة اخرى) معناه إعطاء صفة العلميّة و الكاشفيّة التامّة لتلك الأمارة و ذلك بجعل الظنّ الناشئ من تلك الأمارة علماً بالاعتبار و الادّعاء على طريقة المجاز العقلي- الذي يكون استعماله حقيقيّاً- فكما أنّ المتكلّم يستطيع أن يفترض الرجل الشجاع أسداً حقيقيّاً فيستعمل فيه لفظ الأسد استعمالًا حقيقيّاً، كذلك بإمكان الشارع (تبارك و تعالى) أن يفترض البيان الظنّي بياناً قطعيّاً بحيث يصحّ له استعمال لفظ العلم فيه أو نفي الشكّ عنه بالاستعمال الحقيقي، فيقول مثلًا: «لا عذر لأحدٍ من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا» (وسائل الشيعة ٢٧: ١٥٠، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٤٠) فيصبح حال تلك الأمارة- حينئذٍ- حال العلم الوجداني الذي ينجّز التكليف سواء طابق الواقع أو لم يطابق، فكما أنّ العلم الوجداني بالحكم ينجّز ذلك الحكم حتّى و إن لم يطابق الواقع، و لا يقع التضادّ بينه و بين الحكم الواقعيّ المعلوم عند اللَّه، كذلك العلم الحاصل بالجعل الاعتباري و الادّعائي فإنّه ينجّز الحكم و إن لم يطابق الواقع المعلوم عند اللَّه و لا يقع التضادّ بينهما. و هذه النظريّة في تفسير الحكم الظاهري تسمّى بنظريّة (جعل الطريقيّة) أي جعل صفة العلميّة و الكاشفيّة التامّة لغير العلم.
و قد ظهر بهذا الشرح أنّ مسلك الطريقيّة الذي نادى به المحقّق النائيني (رحمه الله) و أتباعُه لا يكتفي لحلّ التضادّ بين الحكم الظاهري و الواقعي بمجرّد دعوى كون الحكم الظاهري حكماً وضعيّاً بخلاف الحكم الواقعي الذي هو حكم تكليفي- و إن جاء ذلك أيضاً في كلماته (رحمه الله)- بل إنّه يحاول حلّ التضادّ بنكتة جعل الظنّ علماً كما شرحناه