دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٧ - شبهة التضادّ و نقض الغرض
بلحاظ مبادئ الحكم، كما تقدّم في الحلقة السابقة [١]. و حينئذٍ فإن قيل بأنّ الحكم الظاهريّ ناشئ من مصلحةٍ ملزمةٍ و شوقٍ في فعل المكلّف الذي تعلّق به ذلك الحكم، حصل التنافي بينه و بين الحرمة الواقعية مهما كانت الصيغة الاعتبارية لجعل الحكم الظاهري. و إن قيل بعدم نشوئه من ذلك- و لو بافتراض قيام المبادئ بنفس جعل الحكم الظاهريّ- زال التنافي بين الحكم الواقعيّ و الحكم الظاهري، سواء جُعِل هذا حكماً تكليفياً، أو بلسان جعل الطريقية [٢].
[١] ضمن بحث (الحكم الشرعي و أقسامه) من مباحث التمهيد، تحت عنوان: التضادّ بين الأحكام التكليفيّة
[٢] توضيح ذلك: أنّ نظريّة (جعل الطريقيّة) لا تجدي شيئاً في حلّ مشكلة التضادّ بين الحكم الظاهريّ و الحكم الواقعيّ، إذ سواء فسّرنا الحكم الظاهريّ على طبق نظريّة (جعل الطريقيّة) أو على طبق نظريّة (جعل الحكم المماثل) فلا بدّ فيه من مبادئ و ملاكات دعت المولى إلى إصدار هذا الجعل، فإن كانت هذه المبادئ مرتكزةً في نفس ما ترتكز فيه مبادئ الحكم الواقعي- أي في فعل المكلّف الذي تعلّق به الحكم الظاهري و الحكم الواقعي المخالف له- وقع التضادّ بينهما من حيث المبادئ من دون فرق بين النظريّتين، و إن كانت هذه المبادئ مرتكزةً في غير ما ترتكز فيه مبادئ الحكم الواقعي- كما إذا قلنا بأنّ مبادئ الحكم الظاهري مرتكزة في نفس الجعل الصادر من المولى، بمعنى أنّ صدور هذا الجعل (جعل الحكم المماثل أو جعل الطريقيّة) بما هو جعلٌ يشتمل على مصلحة و إرادة بقطع النظر عن فعل المكلّف الذي تعلّق به الحكم، في حين أنّ مبادئ الحكم الواقعي مرتكزة في فعل المكلّف، كما سيأتي ذلك في الحلّ القادم لمشكلة التضادّ- فحينئذٍ ينحلّ التضادّ بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ من دون فرق أيضاً بين النظريّتين. و أمّا قياس الحكم المعلوم بالعلم الاعتباريّ- وفقاً لنظريّة جعل الطريقيّة- بالحكم المعلوم بالعلم الوجداني الذي لا يطابق الواقع، فجوابه: أنّ الحكم المعلوم بالعلم الوجداني غير المطابق للواقع و إن كان يتنجّز بهذا العلم لكن بما أنّه ليس مجعولًا من قبل المولى بوجه من الوجوه فليس نابعاً من مبادئ و ملاكات حتّى يقع التضادّ بينها و بين مبادئ الحكم الواقعي، و هذا بخلاف الحكم المعلوم بالعلم الاعتباري وفقاً لنظريّة جعل الطريقيّة، فإنّ نفس جعل صفة (العلميّة) و (الطريقيّة) من قبل المولى لغير العلم لا بدّ و أن يكون بدافع من مبادئ و ملاكات، فيجري فيه التفصيل الذي ذكرناه