دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٨٧ - تنبيهات حول الإطلاق
و لكن مع هذا نلاحظ أنّ هناك فارقاً يظلّ ثابتاً بين الأمر و النهي، أو بين الوجوب و التحريم، و هو أنّ الوجوب الواحد المتعلّق بالطبيعة لا يستدعي إلّا الإتيان بفردٍ من أفرادها، و أمّا التحريم الواحد المتعلّق بها فهو يستدعي اجتناب كلّ أفرادها و لا يكفي أن يترك بعض الأفراد.
و هذا الفارق ليس مردّه إلى الاختلاف في دلالة اللفظ أو الإطلاق، بل إلى أمرٍ عقلي، و هو أنّ الطبيعة توجد بوجود فردٍ واحد، و لكنّها لا تنعدم إلّا بانعدام جميع أفرادها. و حيث إنّ النهي عن الطبيعة يستدعي انعدامها فلا بدّ من ترك سائر أفرادها، و حيث إنّ الأمر بها يستدعي إيجادها فيكفي إيجاد فردٍ من أفرادها.
التنبيه الرابع [١]: أنّه في الحالات التي يكون الإطلاق فيها شموليّاً
[١] الهدف من وضع هذا التنبيه بيان خصوصيّةٍ من الخصائص الفنيّة التحليليّة الراجعة إلى باب الإطلاق مغايرةٍ تماماً للخصوصيّة التي مضى توضيحها في التنبيه الأوّل من هذه التنبيهات.
حيث إنّ الخصوصيّة التي تمّ توضيحها في التنبيه الأوّل كانت راجعةً إلى أصل الدلالة الإطلاقيّة المتضمّنة لنفي القيد سواء كان الإطلاق شموليّاً أو بدليّاً، إذ قلنا هناك: إنّ هذه الدلالة ترتبط بمرحلة المدلول التصديقي مباشرةً و لا تدخل في تكوين المدلول التصوّري للكلام، و كانت هذه الخصوصيّة منوطةً بمبنى المتأخّرين في تفسير الدلالة الإطلاقيّة على أساس قرينة الحكمة، و لم تكن تتمّ على المبنى الآخر الذي يفسّر هذه الدلالة بالوضع.
و أمّا الخصوصيّة التي يراد توضيحها في هذا التنبيه فليست راجعةً إلى أصل الدلالة الإطلاقيّة، و إنّما هي راجعة إلى ما يستفاد في موارد الإطلاق الشمولي فحسب دون البدلي، من تعميم الحكم على كلّ فردٍ من أفراد المطلق الشمولي، حيث إنّ هذا التعميم المستبطن لتكثّر الحكم و تعدّده بعدد أفراد ذلك المطلق غير مستفادٍ من الدليل اللفظي لا على مستوى الدلالة التصوّريّة و لا على مستوى الدلالة التصديقيّة.
أمّا على مستوى الدلالة التصوّريّة فلأنّ اسم الجنس- سواء كان موضوعاً للمطلق بشرط الإطلاق كما عليه القدماء، أو كان موضوعاً لذات الماهيّة المحفوظة ضمن المطلق و المقيّد كما عليه المتأخّرون- لا دلالة فيه على تعدّد الأفراد و تكثّرها أصلًا حتّى تتمّ دلالة الجملة على تعدّد الحكم بعدد تلك الأفراد.
و أمّا على مستوى الدلالة التصديقيّة فلأنّ المدلول التصديقي عبارة عن جعل الحكم على ذات تلك الطبيعة مجرّدةً عن القيد، كما تقتضيه أصالة التطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت، و لا فرق في ذلك أيضاً بين ما إذا كان اسم الجنس موضوعاً للمطلق بشرط الإطلاق أو للجامع المحفوظ في المطلق و المقيّد معاً، إذ على كلا التقديرين يتعيّن إرادة الإطلاق في المراد الجدّي أي الطبيعة المجرّدة عن القيد، فليس في المدلول التصديقي سوى جعل واحد منصبّ على الطبيعة المجرّدة عن القيد، و ليس فيه تعدّد و تكثّر لا في الجعل و لا في مصبّه.
و إنّما يستفاد تعدّد الحكم بعدد أفراد الطبيعة المطلقة في موارد الإطلاق الشمولي بالدلالة العقليّة التي تقتضي فعليّة المجعول عند تحقّق الموضوع ضمن أيّ فردٍ من أفراده، و هذه الدلالة ترتبط بعالم المجعول لا بعالم الجعل، إذاً فالتعدّد و التكثّر المستفاد من الإطلاق الشمولي غير مرتبط بمدلول اللفظ لا على مستوى الدلالة التصوّريّة و لا على مستوى الدلالة التصديقيّة كما ذكرنا، و إنّما هو مرتبط بعالم المجعول الذي هو خارج عن مدلول اللفظ.
و هذه الخصوصيّة لا تختصّ بمبنى المتأخّرين في تفسير الدلالة الإطلاقيّة على أساس قرينة الحكمة بل تجري حتّى على المبنى الذي يفسّر الإطلاق على أساس الدلالة الوضعيّة، لأنّ الموضوع له اللفظ على أساس ذلك المبنى هو الطبيعة المطلقة بشرط الإطلاق و لا يتضمّن معنى التعدّد و التكثّر و لا إشارة فيه إلى الأفراد أصلًا حتّى تتمّ دلالة الجملة على تعدّد الحكم بعدد الأفراد، بل ستظلّ هذه الدلالة منوطةً بعالم المجعول أيضاً الذي هو خارج عن مدلول اللفظ كما ذكرنا