دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣١٨ - ضابط المفهوم
جزء علّةٍ منحصرةٍ للجزاء، و بذلك يثبت المفهوم [١]. و هذا من قبيل
[١] أمّا ثبوت المفهوم في فرض قيام برهانٍ على كون الشرط علّة تامّة منحصرة للجزاء فواضح، لأنّ معنى انحصار العليّة بالشرط أنّ الشرط هو العلّة الوحيدة لتحقّق الجزاء و لا توجد علّة اخرى بديلة عنه يتحقّق بها الجزاء أيضاً، و إذا كان كذلك فسيكون الجزاء منتفياً قطعاً عند انتفاء الشرط. مثاله: ما إذا ثبت بدليل أنّ المراد الجدّي لقول القائل: «إذا زارك شخص وجب إكرامه» أنّ الزيارة علّة تامّة منحصرة لوجوب الإكرام، فمن الطبيعي حينئذٍ أنّ وجوب الإكرام ينتفي عند انتفاء الزيارة.
و أمّا ثبوت المفهوم في فرض قيام برهانٍ على كون الشرط جزء علّة منحصرة للجزاء فلأنّ المعلول كما ينتفي بانتفاء تمام العلّة ما لم تكن هناك علّة اخرى لتحصيله، كذلك ينتفي بانتفاء جزء العلّة ما لم تكن هناك علّة اخرى لتحصيله أيضاً، فلا فرق في المثال المذكور بين أن تكون الزيارة علّة تامّةً منحصرة لوجوب الإكرام، بحيث لا حاجةَ فيها إلى ضميمة شيء آخر حتّى يتحقّق هذا الوجوب، و بين أن تكون الزيارة جزء علّة منحصرة لوجوب الإكرام بحيث تحتاج إلى ضميمة شيءٍ آخر إليها حتّى يتحقّق هذا الوجوب، سواء عرفنا ذاك الشيء الآخر- ككونه مريضاً، أو عالماً، أو هاشميّاً، أو نحو ذلك- أو لم نعرفه، فإنّ هذا كافٍ أيضاً لانتفاء الجزاء عند انتفاء هذا الجزء من العلّة الذي جُعل شرطاً في تلك القضيّة الشرطيّة، ما دامت تلك العلّة بمجموع جزئيها علّةً منحصرةً لتحقّق الجزاء.
و لا يخفى أنّ ثبوت المفهوم في كلا الفرضين يتوقّف على أن يكون البرهان القائم على الربط العلّي الانحصاري دالّاً على أنّ تلك العلّة علّةٌ منحصرةٌ لا لحكم شخصي خاصّ فحسب بل هي علّة منحصرة للحكم المطروح في تلك الجملة سواء اريد به المعنى الشخصي أو اريد به المعنى الطبيعي، بحيث لو ثبتت إرادة المعنى الطبيعي من ذلك الحكم ثبت انتفاء ذلك الحكم الطبيعي بجميع أفراده عند انتفاء تلك العلّة المنحصرة، كما مضى مثل ذلك أيضاً في توضيح الركن الأوّل من ركني ضابط المفهوم على مستوى الدلالة التصوّريّة.
ثمّ إنّ هذا لا يغنينا عن الركن الثاني لاقتناص المفهوم، أي عن إثبات كون المراد بالحكم هو المعنى الطبيعي لا المعنى الشخصي- كما كان كذلك أيضاً في حالة اقتناص المفهوم على مستوى الدلالة التصوّريّة- إلّا إذا كان البرهان الدالّ على الربط العلّي الانحصاري نوع برهانٍ دالٍّ أيضاً على أنّ الحكم الواقع طرفاً لهذا الربط إن كان حكماً شخصيّاً خاصّاً فلا يوجد هناك فرد آخر من سنخه يمكن تحصيله بغير القيد المذكور في الكلام، كما جاء تصوير مثل هذا البرهان في تقرير بحث السيّد الشهيد (رحمه الله) (بحوث في علم الاصول ٣: ١٤٦- ١٤٧). و لعلّه لهذا السبب سكت السيّد الشهيد (رحمه الله) هنا عن الحاجة إلى الركن الثاني في فرض اقتناص المفهوم على مستوى الدلالة التصديقيّة