دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨٩ - المعاني الحرفيّة
المنطق أنّ الشيء يصدق على نفسه بالحمل الأوّلي، و لكن قد لا يصدق على نفسه بالحمل الشائع، كالجزئي فإنّه جزئيّ بالحمل الأوّلي، و لكنّه كلّيّ بالحمل الشائع [١].
[١] و ذلك بتطبيق فكرة (الحمل الأوّليّ) و (الحمل الشائع) على الحمل الوارد في جملتي (الجزئي جزئيّ) و (الجزئي كلّي) فإنّ الحمل الوارد في الجملة الاولى إنّما يكون صادقاً إذا قصد به الحمل الأوّلي- أي من باب حمل المفهوم على نفسه- و الحمل الوارد في الجملة الثانية إنّما يكون صادقاً إذا قصد به الحمل الشائع- أي من باب حمل الكلّي على مصداقه- و هذا هو المعنى المنطقي المعروف للحمل الأوّلي و الحمل الشائع (كما ورد في كتاب المنطق ج ١/ ص ٨٣ في بحث الحمل و أنواعه).
و أمّا إذا طبّقنا فكرة (الحمل الأوّلي) و (الحمل الشائع) على نفس مفهوم (الجزئي) الواقع موضوعاً للحمل في هاتين الجملتين لأجل التعرّف على أنّه ملحوظ باللحاظ المناسب للحمل الأوّلي أو باللحاظ المناسب للحمل الشائع، فمقتضى ما جرت عليه عادة أهل المنطق- من توصيف كلّ مفهومٍ قصد به المصداق الخارجي بأنّه ملحوظ بلحاظ الحمل الشائع، و توصيف كلّ مفهوم قصدت به صورته الذهنيّة بأنّه ملحوظ بلحاظ الحمل الأوّلي- أنّ مفهوم (الجزئي) الواقع موضوعاً للحمل في جملة (الجزئي جزئيّ) ملحوظ بلحاظ الحمل الشائع، و أنّ مفهوم (الجزئي) الواقع موضوعاً للحمل في جملة (الجزئي كلّي) ملحوظ بلحاظ الحمل الأوّليّ، و هذا ما جرت الإشارة إليه في كتاب المنطق ج ١/ ص ٦٤ في بحث العنوان و المعنون. و هذا في الحقيقة ليس تطبيقاً لفكرة الحمل الأوّلي و الحمل الشائع على الحمل الوارد في نفس هاتين الجملتين. بل إنّما هو تطبيق لهاتين الفكرتين على حمل آخر غير مصرّح به في الكلام و هو حمل عنوان (الجزئي) الواقع موضوعاً في هاتين الجملتين على مصداقه الخارجي تارةً و على مفهومه الذهني تارة اخرى، فإنّ هذا العنوان عند ما يقع موضوعاً في جملة (الجزئي جزئي) يقصد به المعنى المعبّر عن الخارج و هو المعنى الذي يمكن حمله على المصداق الخارجي على طريقة الحمل الشائع، و عند ما يقع موضوعاً في جملة (الجزئي كلّي) يقصد به المعنى الذهني و هو المعنى الذي يمكن حمله على نفسه على طريقة الحمل الأوّلي.
و قد ظهر بهذا العرض أنّ كلّاً من مصطلحي (الحمل الأوّلي) و (الحمل الشائع) المنطقيّين ليس له إلّا معنى اصطلاحيّ واحد حيث إنّ الأوّل يشير إلى حمل المفهوم على نفسه و الثاني يشير إلى حمل الكلّي على مصداقه، غاية الأمر أنّنا تارةً نطبّق ذلك على (الجزئي) بلحاظ الحمل الوارد عليه في نفس جملتي (الجزئي جزئيّ) و (الجزئي كلّيّ) و اخرى نطبّق ذلك على (الجزئي) الواقع موضوعاً في هاتين الجملتين لا بلحاظ نفس الحمل الوارد فيهما بل بلحاظ حمله على الخارج تارةً و على المفهوم الذهني تارة اخرى، و النتيجة في التطبيق الثاني تكون معاكسة لها في التطبيق الأوّل في المثال المذكور كما لاحظنا، و هذا لا يعني تعدّد المعنى المصطلح للحمل الأوّلي و الحمل الشائع كما توهّمه بعض الأفاضل (الحلقة الثالثة في اسلوبها الثاني ١: ٣٣٥) و إنّما يعني التغاير في مورد التطبيق.
و قد سبق في بعض تعليقاتنا السابقة- في موضوع تعلّق الأحكام بالعناوين الذهنيّة- أنّ استاذنا الشهيد (رحمه الله) له طريقة اخرى في تطبيق هذين الاصطلاحين تؤدّي إلى أنّ كلّ مفهومٍ قُصد به التعبير عن الخارج على طريقة النظرة التصوّريّة الأوّلية فهو ملحوظ بلحاظ الحمل الأوّلي، و أنّ كلّ مفهوم قُصدت به صورته الذهنيّة على طريقة النظرة التصديقيّة الثانويّة فهو ملحوظ بلحاظ الحمل الشائع، على عكس ما جرت عليه عادة أهل المنطق. و الظاهر أنّ هذا أيضاً ليس تعبيراً عن مصطلح جديد للحمل الأوّلي و الحمل الشائع، و إنّما هو تعبير عن تطبيق جديد لهما، و قد وضّحنا ذلك بالتفصيل في الملحق الثاني من الملحقات التي وضعناها في نهاية هذا الجزء من الكتاب، فراجع