دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٣٧ - حلّ النقوض الثلاثة
فجعل البراءة الشرعيّة في مورد الشكّ و أوصلها إلى المكلّف حسب الفرض، و بذلك قد زال موضوع حكم العقل بالتنجيز حتّى عند القائلين بمسلك حقّ الطاعة و ذلك لأنّ موضوع حكم العقل بالتنجيز عندهم و إن كان عبارةً عن مطلق الانكشاف سواء كان قطعيّاً أو ظنيّاً أو احتماليّاً و لكنّه مشروط عندهم بعدم وصول ترخيصٍ ظاهريّ في ترك الاحتياط، و لا شكّ أنّ البراءة الشرعيّة ترخيصٌ ظاهري في ترك الاحتياط، فبوصول هذه البراءة الشرعيّة يزول موضوع حكم العقل بالتنجيز، و هذا يعني أنّ المولى قد رجّح ملاك الإباحة الاقتضائيّة المحتملة عند الشكّ على ملاك الحكم الإلزامي المحتمل بالتصرّف في موضوع حكم العقل بالنحو المذكور، و بالرغم من ذلك كلّه قام القائلون بحسن الاحتياط بترجيح ملاك الحكم الإلزامي المحتمل على ملاك الإباحة الاقتضائيّة المحتملة بدعوى حسن الاحتياط فيه الذي مرجعه إلى حسن البناء على ثبوت الحكم الإلزامي، و لم يقل أحد منهم بحسن البناء على ثبوت الإباحة بدلًا عن حسن البناء على ثبوت الحكم الإلزامي، فما هو السرّ في ذلك؟
و الجواب: أنّ حسن البناء على ثبوت الحكم الإلزامي لا يعني لزوم البناء عليه بل يعني حسنه فحسب، و هذا الحسن- ما دام لم يورث اللزوم العقلي- لا ينافي ملاك الإباحة الاقتضائيّة على تقدير وجوده، فإنّ ملاك الإباحة الاقتضائيّة قد حُفظ تماماً على تقدير وجوده بحكم العقل بالتعذير بعد تدخّل الشارع في موضوع حكم العقل بالنحو المذكور، و يمكن لهذا الحُسن العقلي أن يحفظ ملاك الحكم الإلزامي المحتمل على تقدير وجوده- حفظاً نسبيّاً طبعاً- من دون ان يضيع به ملاك الإباحة الاقتضائيّة المحتملة على تقدير وجوده، و ذلك لأنّ المكلّف لو بنى على ثبوت الحكم الإلزامي المحتمل و أطاعه احتياطاً بمحض