دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٨٠ - التنافي بين الأحكام الظاهرية
في متعلّقه [١] أمكن جعل حكمين ظاهريّين بالإباحة و الحرمة معاً، على شرط أن لا يكونا واصلين معاً، فإنّه في حالة عدم وصول كليهما معاً لا تنافي بينهما، لا بلحاظ نفس الجعل؛ لأنّه مجرّد اعتبار، و لا بلحاظ المبادئ؛ لأنّ مركزها ليس واحداً، بل مبادئ كلّ حكمٍ في نفس جعله لا في متعلّقه، و لا بلحاظ عالم الامتثال و التنجيز و التعذير؛ لأنّ أحدهما على الأقلّ غير و اصلٍ فلا أثر عمليّ له، و أمّا في حالة وصولهما معاً فهما متنافيان متضادّان؛ لأنّ أحدهما ينجّز و الآخر يؤمِّن.
و أمّا على مسلكنا في تفسير الأحكام الظاهرية و أنّها خطابات تحدِّد ما هو الأهمّ من الملاكات الواقعية المختلطة، فالخطابان الظاهريان المختلفان- كالإباحة و المنع- متضادّان بنفسيهما، سواء وصلا إلى المكلّف أوْ لا؛ لأنّ الأوّل يثبت أهميّة ملاك المباحات الواقعية، و الثاني يثبت أهميّة ملاك المحرّمات الواقعية، و لا يمكن أن يكون كلّ من هذين الملاكين أهمَّ من الآخر، كما هو واضح [٢].
[١] كما سبق نقل ذلك عن السيّد الخوئي (رحمه الله)
[٢] و يترتّب على ذلك إمكان التمسّك بالدلالة الالتزاميّة للخطاب الظاهري الواصل، لنفي حجّية ما يخالفه ممّا يشكّ في حجّيته، كما إذا دلّ خبر مشكوك الحجّية على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و كان لدينا خطاب ظاهريّ يثبت البراءة عند الشكّ في التكليف، فإذا بنينا على التضادّ بين الأحكام الظاهريّة بوجوداتها الواقعيّة- أي سواء وصلت إلى المكلّف أو لا- أمكن نفي حجّية ذلك الخبر بالدلالة الالتزاميّة للخطاب الظاهري الدالّ على البراءة- كما سيأتي ذلك في بحث الأدلّة المحرزة تحت عنوان (تأسيس الأصل عند الشكّ في الحجّية)- و هذا بخلاف ما إذا أنكرنا التضادّ بين الأحكام الظاهريّة بوجوداتها الواقعيّة، فإنّ الحكم الظاهري الواصل لا يدلّ- حينئذٍ- بالالتزام على نفي الحكم الظاهريّ الآخر المحتمل ما دام الثاني غير واصل إلى المكلّف