دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢١٧ - القسم الأوّل ما يدلّ على الطلب بلا عناية
الأمر أو أدوات الطلب
ينقسم ما يدلّ على الطلب إلى قسمين:
أحدهما: ما يدلّ بلا عناية، كمادّة الأمر و صيغته.
و الآخر: ما يدلّ بالعناية، كالجملة الخبريّة المستعملة في مقام الطلب.
فيقع الكلام في القسمين تباعاً:
القسم الأوّل ما يدلّ على الطلب بلا عناية
] الطلب: هو السعي نحو المقصود، فإن كان سعياً مباشراً- كالعطشان يتحرّك نحو الماء- فهو طلب تكويني، و إن كان بتحريك الغير و تكليفه فهو طلب تشريعي.
و لا شكّ في دلالة مادّة الأمر على الطلب بمفهومه الاسمي، و لكن ليس كلّ طلب، بل الطلب التشريعيّ من العالي.
كما لا إشكال في دلالة صيغة الأمر على الطلب؛ و ذلك لأنّ مفاد الهيئة فيها هو النسبة الإرسالية [١]، و الإرسال يُنتزع منه مفهوم الطلب،
[١] لعلّ السبب في اختيار السيّد الشهيد (رحمه الله) النسبة الإرساليّة مدلولًا وضعيّاً لصيغة الأمر دون النسبة الطلبيّة، أنّ الباعث إلى توهّم دلالة صيغة الأمر بالوضع على النسبة الطلبيّة ما يرى بالوجدان من انصراف الجملة المشتملة على صيغة الأمر إلى قصد داعي الطلب على مستوى الدلالة التصديقيّة الجدّية، لا إلى قصد داعي الحكاية و الإخبار، كما هو واضح، فيُفسَّر ذلك بظهور حال المتكلّم في التطابق بين المدلول التصوّري و المراد التصديقي بعدَ حمل المدلول التصوّري على معنى النسبة الطلبيّة، في حين أنّ هذا إنّما يناسب حمل المدلول التصوّري لهيئة الجملة التامّة- المشتملة على صيغة الأمر- بكاملها على معنى النسبة الطلبيّة، لا حمل فعل الأمر وحده على ذلك، و نحن الآن بصدد تفسير دلالة صيغة فعل الأمر وحدها و بقطع النظر عن ضمير الفاعل الذي يقع طرفاً للنسبة التامّة، فإنّ استاذنا الشهيد (رحمه الله) يرى أنّ الجملة الفعليّة- سواء كانت خبريّة كما في فعل الماضي و المضارع، أو إنشائيّةً كما في فعل الأمر- تشتمل على نسبةٍ ناقصةٍ و نسبةٍ تامّة، أمّا النسبة الناقصة فهي بين الحدث المدلول عليه بمادّة ذلك الفعل و بين ذاتٍ مبهمة، و هذه النسبة هي المدلول عليها بهيئة ذلك الفعل، و أمّا النسبة التامّة فهي بين تلك الذات المبهمة- بعد ارتباطه بذلك الحدث بسبب تلك النسبة الناقصة- و بين الفاعل المعيّن، و هذه النسبة هي المدلول عليها بهيئة الجملة التامّة بكاملها، و بهذا تكون جملة «ضرب زيدٌ» مثلًا بمنزلة قول القائل: «الذات التي صدر منه الضرب هو زيد» (انظر: بحوث في علم الاصول ٢: ٤٨).
و من الواضح أنّ إنشائيّة الجملة و إخباريّتها مرتبطتان بالنسبة التامّة لا بالنسبة الناقصة، و للسيّد الشهيد (رحمه الله) تفسيره الخاصّ للفرق بين النسبة التامّة الخبريّة و النسبة التامّة الإنشائيّة على مستوى الدلالة التصوّريّة قبل التصديقيّة، و ليس هو الآن بصدد ذلك فيما نحن فيه، و إنّما هو بصدد تفسير النسبة الناقصة المدلول عليها بصيغة فعل الأمر و الفرق بينها و بين النسبة الناقصة المدلول عليها بصيغة فعل الماضي أو المضارع، و هو يرى أنّ الفرق بينهما يتلخّص في أنّ فعل الماضي و المضارع يدُلّان بصيغتهما على نسبةٍ صدوريّةٍ ناقصةٍ بين ذاتٍ مبهمة و بين الحدث المدلول عليه بالمادّة، و فعل الأمر يدلّ بصيغته على نسبةٍ إرساليّةٍ ناقصةٍ بينهما