دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٢٤ - حجّية القطع غير المصيب و حكم التجرّي
و انحراف التصديق الذاتيّ عن الدرجة التي تفترضها المبرِّرات الموضوعية له مراتب، و بعض مراتب الانحراف الجزئية ممّا ينغمس فيه كثير من الناس، و بعض مراتبه يعتبر شذوذاً، و منه قطع القَطَّاع، فالقَطَّاع إنسان يحصل له قطع ذاتيّ و ينحرف غالباً في قطعه هذا انحرافاً كبيراً عن الدرجة التي تفترضها المبرِّرات الموضوعية.
و حجّية القطع من وجهة نظرٍ اصولية- و بما هي معبِّرة عن المنجِّزية و المعذِّرية- ليست مشروطةً بالإصابة بأيّ واحدٍ من المعنيَين.
أمّا المعنى الأول فواضح، إذ يعتبر القطع بالتكليف تمام الموضوع لحقّ الطاعة [١]، كما أنّ القطع بعدمه تمام الموضوع لخروج المورد عن هذا الحقّ [٢]. و من هنا كان المتجرِّي مستحقّاً للعقاب كاستحقاق العاصي؛ لأنّ انتهاكهما لحقّ الطاعة على نحوٍ واحد [٣]. و نقصد
[١] بمعنى أنّ (القطع بالتكليف) كافٍ لتحقّق حقّ الطاعة للمولى- أي المنجّزيّة- سواء انضمّ إليه وجود التكليف حقّاً في الواقع أم لم ينضمّ إليه ذلك
[٢] بمعنى أنّ (القطع بعدم التكليف) كافٍ لسقوط حقّ الطاعة عن المولى- أي المعذّريّة- سواء انضمّ إليه عدم وجود التكليف حقّاً في الواقع أم لم ينضمّ إليه ذلك
[٣] توضيح ذلك: أنّ حقّ طاعة المولى (تبارك و تعالى) يختلف عن حقوق الناس المتعارفة- مثل حقّ الملكيّة، و حقّ الحرّيّة، و حقّ الحياة، و ما شاكل- حيث أنّ هذه الحقوق متقوّمة بواقعها و ليست متقوّمةً باعتقاد من يقدم على هدرها، و لهذا لو أنّ أحداً أتلف مالًا باعتقاد أنّه لزيد ثمّ انكشف أنّه ليس لزيد بل هو له لم يتعلّق بذمّته حقّ لزيد، كما أنّه من قتل شخصاً أو سلب راحته و حرّيّته بتخيّل أنّه زيد ثمّ انكشف أنّه ليس زيداً بل هو شخص آخر مهدور الدم أو مهدور الكرامة و الحرّية لم يتعلّق بذمّته أيضاً حقّ لزيد ... و هكذا. و أمّا حقّ طاعة المولى (تبارك و تعالى) فليس ذلك بملاك غرضٍ شخصيٍّ أو حاجةٍ خاصّةٍ بنحوٍ يقبل انكشاف الخلاف، بل إنّما هو بملاك احترام المولى و إجلاله و عدم التوهين بكرامته، و هذا ما لا يقبل انكشاف الخلاف فإنّ المتجرّي كالعاصي تماماً في مستوى مخالفته لاحترام المولى و هدره لكرامته، فهما إذاً متساويان في استحقاق العقاب