دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٣٧ - القسم الأوّل ما يدلّ على الطلب بلا عناية
و لعلّ هذا التقريب أوجه من سابقيه، فإن تمّ فهو، و إن لم يتمَّ يتعيّن كون الدلالة على الوجوب بالوضع.
و تترتّب فوارق عمليّة عديدة بين هذه الأقوال على الرغم من اتّفاقها على الدلالة على الوجوب، و من جملتها: أنّ إرادة الاستحباب من الأمر مرجعها على القول الأوّل إلى التجوّز و استعمال اللفظ في غير ما وضع له، و مرجعها على القول الأخير إلى تقييد الإطلاق، و أمّا على القول الوسط فلا ترجع إلى التصرّف في مدلول اللفظ أصلًا.
وعليه فإذا جاءت أوامر متعدّدة في سياقٍ واحدٍ [١] و عُلم أنّ أكثرها أوامر استحبابيّة اختلّ ظهور الباقي في الوجوب على القول الأوّل، إذ يلزم من إرادة الوجوب منه حينئذٍ تغاير مدلولات تلك الأوامر مع وحدة سياقها، و هو خلاف ظهور السياق الواحد في إرادة المعنى الواحد من الجميع [٢].
[١] كما في قوله تعالى: «خُذِ العَفْوَ وَ أمُرْ بِالعُرْفِ وَ أعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ» (الأعراف ١٩٩)
[٢] توضيح هذا الظهور السياقي: أنّه متى ما تكرّر دالّ واحد عدّة مرّات ضمن تسلسل كلام واحد انعقد لذلك ظهور في وحدة المراد الاستعمالي لذلك الدالّ في كلّ تلك المرّات العديدة، فإذا قال مثلًا: «اسقني ماءً من العين، و لا تلقِ الوساخة في العين، و اشكر اللَّه تعالى على نعمة العين» كان ظاهر ذلك أنّه قد استعمل كلمة العين في الجملة الأخيرة في نفس المعنى الذي استعملها فيه في الجملة الاولى و الثانية، و هي العين الجارية.
و لا فرق في ذلك بين ما إذا كان الدالّ الواحد عبارة عن كلمة معيّنة ككلمة (العين) أو كان عبارة عن هيئة معيّنة كصيغة فعل الأمر و إن استعملت ضمن موادّ عديدة