دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٩٥ - نحو دلالة أدوات العموم
نحو دلالة أدوات العموم:
لا شكّ في وجود أدواتٍ تدلّ على العموم بالوضع، ككلمة (كلّ)، و (جميع)، و نحوهما من الألفاظ الخاصّة بإفادة الاستيعاب، غير أنّ النقطة الجديرة بالبحث فيها و في كلّ ما يثبت أنّه من أدوات العموم هي: أنّ إسراء الحكم إلى تمام أفراد مدخول الأداة- أي (عالم) مثلًا في قولنا: (أكرم كلّ عالم)- هل يتوقّف على إجراء الإطلاق و قرينة الحكمة في المدخول، أو أنّ دخول أداة العموم على الكلمة يغنيها عن قرينة الحكمة و تتولّى الأداة نفسها دور تلك القرينة؟
و ظاهر كلام صاحب الكفاية (رحمه الله) [١] أنّ كِلا الوجهين ممكن من الناحية النظريّة؛ لأنّ أداة العموم إذا كانت موضوعةً لاستيعاب ما يراد من المدخول تعيّن الوجه الأول؛ لأنّ المراد بالمدخول لا يعرف حينئذٍ من ناحية الأداة، بل من قرينة الحكمة. و إذا كانت موضوعةً لاستيعاب تمام ما يصلح المدخول للانطباق عليه تعيّن الوجه الثاني، لأنّ مفاد المدخول صالح ذاتاً للانطباق على تمام الأفراد، فيتمّ تطبيقه عليها فعلًا بتوسّط الأداة مباشرة. و قد استظهر- بحقٍّ- الوجه الثاني [٢].
[١] كفاية الاصول: ٢٥٤
[٢] عبارة صاحب الكفاية (رحمه الله) غير واضحة الدلالة على استظهار الوجه الثاني، بل قد حملها غير واحد من الأصحاب على استظهار الوجه الأوّل (نهاية الأفكار ١ و ٢: ٥٠٩، و محاضرات في اصول الفقه ٥: ١٥٧) و إليك نصّ عبارته (رحمه الله): «... كما لا ينافي دلالةَ مثل (كلّ) على العموم وضعاً كون عمومه بحسب ما يراد من مدخوله، و لذا لا ينافيه تقييد المدخول بقيود كثيرة، نعم لا يبعد أن يكون ظاهراً عند إطلاقها في استيعاب جميع أفرادها» (كفاية الاصول: ٢٥٤). و لعلّ استاذنا الشهيد (رحمه الله) فهم استظهار الوجه الثاني من ذيل هذه العبارة، أعني قوله: «نعم لا يبعد أن يكون ظاهراً عند إطلاقها في استيعاب جميع أفرادها» و ذلك بحمل كلمة (ظاهراً) على معنى الظهور الناشئ من الوضع، على عكس من فهم من عبارته استظهار الوجه الأوّل، إذ لا بدّ له من حمل هذه الكلمة على معنى الظهور الإطلاقي، و لو بقرينة قوله: «عند إطلاقها». و اللَّه تبارك و تعالى هو العالم بواقع مراده (رحمه الله) في هذه المسألة