دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٢٤ - القسم الأوّل ما يدلّ على الطلب بلا عناية
و توضيح ذلك: أنّه إذا بنينا على أنّ اللفظ بنفسه يدلّ على الوجوب فالأمر في الحالة التي أشرنا اليها يكون مخصِّصاً لذلك العامّ الدالّ على الإباحة و مخرجاً لمورده عن عمومه؛ لأنّه أخصّ منه، و الدالّ الأخصّ يقدَّم على الدالّ العامّ، كما تقدّم [١].
و أمّا إذا بنينا على مسلك المحقّق النائيني المذكور فلا تعارض و لو بنحوٍ غير مستقرٍّ [٢] بين الأمر و العامّ، ليقدّم الأمر بالأخصيّة؛ و ذلك لأنّ الأمر لا يتكفّل الدلالة على الوجوب بناءً على هذا المسلك، بل المتعيّن بناءً عليه أن يكون العامّ رافعاً لموضوع حكم العقل بلزوم الامتثال؛ لأنّ العامّ ترخيص وارد من الشارع، و حكم العقل معلّق على عدم ورود الترخيص من المولى، مع أنّ بناء الفقهاء و الارتكاز العرفيّ على تخصيص العامّ في مثل ذلك و الالتزام بالوجوب.
و ثالثاً: أنّه قد فرض أنّ العقل يحكم بلزوم امتثال طلب المولى معلّقاً على عدم ورود الترخيص من الشارع، و حينئذٍ نتساءل: هل يراد بذلك كونه معلّقاً على (عدم اتّصال الترخيص بالأمر) أو على (عدم صدور الترخيص من المولى واقعاً و لو بصورةٍ منفصلةٍ عن الأمر) أو على (عدم إحراز الترخيص و يقين المكلّف به)؟ [٣] و الكلّ لا يمكن
[١] في بحث التعارض من الحلقتين الاولى و الثانية
[٢] المقصود بالتعارض غير المستقرّ هو التعارض الذي يكون قابلًا للعلاج بحسب ضوابط الجمع العرفي كالتعارض بين الخاصّ و العامّ، و المطلق و المقيّد
[٣] هذه وجوه ثلاثة في تفسير القول المذكور حصرناها بين الأقواس لتسهيل الأمر على الطالب.
و إذا أردنا استقصاء الوجوه المحتملة في تفسير القول المذكور قلنا: إنّه إمّا يقصد بكون حكم العقل بوجوب الامتثال معلّقاً على عدم ورود الترخيص كونه معلّقاً على عدم صدور الترخيص في الواقع و بقطع النظر عن وصوله إلى المكلّف و عدم وصوله إليه، أو يقصد بذلك كونه معلّقاً على عدم وصول الترخيص إلى المكلّف. و على كلّ من التقديرين إمّا يقصد بالترخيص خصوص الترخيص المتّصل، أو يقصد به مطلق الترخيص سواء كان متّصلًا أو منفصلًا، و لا يحتمل إرادة خصوص الترخيص المنفصل دون المتّصل، لوضوح أنّ الترخيص المتّصل أولى باشتراط عدمه في حكم العقل بوجوب الامتثال من الترخيص المنفصل، فتكون الوجوه المحتملة أربعة، و هي:
١- أن يكون حكم العقل بوجوب الامتثال معلّقاً على عدم صدور الترخيص المتّصل.
٢- أن يكون حكم العقل بوجوب الامتثال معلّقاً على عدم صدور مطلق الترخيص، متّصلًا كان أو منفصلًا.
٣- أن يكون حكم العقل بوجوب الامتثال معلّقاً على عدم وصول الترخيص المتّصل.
٤- أن يكون حكم العقل بوجوب الامتثال معلّقاً على عدم وصول مطلق الترخيص، متّصلًا كان أو منفصلًا.
و لعلّ ما أشار إليه في المتن بتعبير «عدم اتّصال الترخيص بالأمر» يقصد به عدم اتّصاله به في الواقع و بقطع النظر عن الوصول إلى المكلّف و عدم الوصول إليه، و هذا يطابق الوجه الأوّل من الوجوه التي ذكرناها.
كما أنّ ما أشار إليه بتعبير «عدم صدور الترخيص من المولى واقعاً و لو بصورة منفصلة عن الأمر» يطابق الوجه الثاني من تلك الوجوه بلا شكّ.
و أمّا ما أشار إليه بتعبير «عدم إحراز الترخيص و يقين المكلّف به» فالظاهر أنّه يقصد به عدم وصول مطلق الترخيص، متّصلًا كان أو منفصلًا، و هذا يطابق الوجه الرابع من الوجوه التي ذكرناها.
و بناءً على هذا يبدو أنّ السيّد الشهيد (رحمه الله) لم يتعرّض لذكر الوجه الثالث من هذه الوجوه الأربعة، و لعلّ السبب في ذلك عدم احتمال التفصيل بين وصول الترخيص متّصلًا و وصوله منفصلًا، ضرورة أنّ حكم العقل بوجوب الامتثال ينتفي بوصول الترخيص سواء كان متّصلًا أو منفصلًا، كما هو واضح.
و من المحتمل أن يكون الوجه الثالث من الوجوه التي ذكرناها داخلًا فيما أشار إليه السيّد الشهيد (رحمه الله) في الوجه الأوّل بتعبير «عدم اتّصال الترخيص بالأمر» و ذلك بحمل هذا التعبير على ما يعمّ إرادة عدم اتّصال الترخيص بالأمر في الواقع أي في عالم الصدور، و إرادة عدم اتّصاله به في عالم الوصول، فيشمل الوجه الأوّل و الثالث من الوجوه التي ذكرناها.
و الشاهد على هذا الاحتمال أنّ الاعتراض المذكور في المتن على الوجه الأوّل يشترك فيه الوجه الثالث الذي ذكرناه أيضاً، كما سيأتي توضيحه في التعليق القادم إن شاء اللَّه تعالى